“المصطفى”.. أول لاجئ سوري بمصر يحصل على الدكتوراه في الأدب الإنجليزي

“المصطفى”.. أول لاجئ سوري بمصر يحصل على الدكتوراه في الأدب الإنجليزي د. عامر مع د.منى ود.نهوت المشرفتان على رسالته،أرشيفية
كتب -

ماذا يحدث لك حينما تختلف حياتك من الرفاهية المنعمة إلى الفقر المدقع؟ الإجابة على السؤال تختلف من شخص لآخر، البعض منا قد يستسلم لليأس ويستكين للوضع، ومن يرضخ للواقع ولا يسعى لتغييره، ومنا من يتخذ ذلك محرابا ليبدأ من أسفل الصفر ليرتفع شأنه عاليا مرة أخرى، لكن الدكتور عامر المصطفى، أول لاجئ سوري يحصل على درجة الدكتوراه في الأدب الإنجليزي بمصر، أجاب عن هذا السؤال بمشاعر مختلفة وبطريقة مشجعة لأي شخص يترك وطنه ويصبح لاجئا وغريبا في وطن آخر بدون أفراد عائلته وذويه.

على سجيته وبابتسامة مشرقة، يرد عامر حينما تحدثه مباركا له على حصوله على درجة الدكتوراه قائلا “الله يبارك فيك وعقبالك إن شاء الله، وأكون من ضمن الحاضرين لمناقشة رسالتك”، مستقبلا تهنئتك بصدر رحب متحدثا معك بطلاقة عن ماضيه وحاضره ومستقبله الذي يرغب أن يوفقه الله به.

نشأ عامر المصطفى بكرناز التابعة لمحافظة حماة وسط سوريا، الابن الثالث لرجل أعمال كبير في سوريا، حيث حياة رغيدة ومرفهة، فلم يعان مرارة العمل عند الغير بل عمل في ماله ومال أبيه الخاص، حتى حصل على درجة الليسانس من كلية الآداب قسم إنجليزي بجامعة حلب ثم درجة الماجستير، والتي اختارها عن رغبة شخصية منه وحبه لدراسة اللغة الإنجليزية بشكل قوي.

لكن ما عانى منه “عامر” مرارا وتكرارا هو فقدانه لوالدته والتي وافتها المنية وهو طفل في الخامسة من عمره ليواجه حياته يتيم الأم، حتى تحين اللحظة التي يتخذ فيها عامر قرار المجيء إلى مصر، لاستكمال دراسته العلمية ونيل درجة الدكتوراه من إحدى الجامعات المصرية، ويقوم في هذه اللحظة بمراسلة أحد أصدقائه المقيمين بمصر للعمل والدراسة، ليرشح له “جامعة حلوان” نتيجة لما تحويه من كوادر علمية ذات شأن في الترجمة واللغة الإنجليزية.

وجاء عامر إلى مصر في النصف الثاني من عام 2011 على نفقته الخاصة وليس موفدا، بعد أن أرسله والده راغبا في جعله دكتور جامعي، وكان هذا في بداية الثورة السورية وقبل تأزم الأوضاع وتفاقم الأزمة، وقام عامر بالتسجيل في الجامعة والبدء في الدراسة وإعداد رسالة الدكتوراه، والتي تتناول البحث العلمي الموسع في لغة الإعلام والأخبار في الصحافة الأجنبية والعربية للربيع العربي وخصوصا ليبيا، موضحا أنه طلب من الدكتورة المشرفة على بحثه أن يكتب عن سوريا، لكنها رفضت، ليس لسبب سياسي وإنما بسبب كثافة التغطية للحرب الليبية في عام 2011.

ويحدث ما لا يتوقعه عامر آنذاك وتسوء الأوضاع في سوريا وتقصف أملاك والده وشركاته ويخسر ما يقارب من مليون دولار لتحترق أثناء القصف، وتتحول أسرته من القصور والفيلات إلى حجرة ضيقة في أحد المنازل المجاورة، واضطرتهم الظروف إلى النزوح من حماة إلى ريف إدلب، ليعمل الإخوة الباقيين في أي عمل يومي ليوفروا نفقاتهم.

ويقع هذا الخبر على مسمع عامر كالصاعقة، إذ تبدل الحال كما يقول “وتحول ومن رب العمل إلى العامل”، في ذلك الوقت توجه عامر مسرعا إلى سوريا للاطمئنان على أسرته وليحضر زوجته وأطفاله “أحمد وإلهام”، ليعود إلى مصر مرة أخرى، ليس بمفرده ولكن برفقة أسرته، فعندما كان وحيدا كان الأمر سهلا، لكن الآن باتت الأمور أسوأ يوما عن يوم.

لم يجلس عامر منتظرا الإحسان من أحد أو أن يقوم أحد بإعالته فقام بالعمل في مطعم لتوفير نفقات أسرته وجزء من نفقاته الجامعية، لكن الأقساط كانت مرتفعة جدا بحيث تصل إلى 6 آلاف دولار سنويا، مما كان يضطر عامر إلى الاستدانة من أقاربه ومعارفه المصريين والسوريين وحتى وقتنا هذا يقوم عامر بتسديد هذه الأقساط لذويها.

عاش “عامر” ما يقارب من الأربع سنوات والنصف في قلةٍ من النوم والكثير من مشاق الحياة اليومية، فكان يعمل “وردية ليلية” بالمطعم لينتظر نور الصباح متجها إلى جامعته ليقابل الدكتورة ” منى” والدكتورة نهوت”، المشرفتان على رسالته، ويقول “عامر” إن الدكتورة منى كانت تتميز بالدقة المنقطعة النظير بحيث إنها كانت تدقق على الفصلات والنقاط، وكذلك كانت ترفض الكثير من الأشياء التي يقدمها “عامر” لتحثه على فعل الأفضل، وهذا كان يزيد من ثقل الحمل على كاهل “المصطفى” مما جعله بين “حجري الرحى”.. فكيف له أن يوفق بين ما تطلبه مشرفة الرسالة وبين عمله الليلي في المطعم ومصدره الرئيسي لمعيشة أسرته؟، وهنا كان يشعر “عامر” بالغصات المتكررة في حلقه نتيجة لضعفه المادي والذي يصل إلى العجز كما أخبرنا.

وفي دراسته البحثية لم يواجه عامر أي صعوبات، لكنه كان مستمتعا جدا بها على حد وصفه، بل كان ما يواجهه صعوبات مادية، لكن حلمه وحلم والده في رؤيته أستاذا جامعيا جعله يتغلب على كافة الصعوبات وصولا إلى القدرة على التوفيق بين جميع أموره.

وينتقد المصطفى الإجراءات الروتينية في الجامعات المصرية، بسبب انتهائه من بحثه منذ شهر مارس الماضي وانتظاره لما يقارب من ستة أشهر حتى تحديد موعد المناقشة بدواعي انعقاد مجلس القسم، ومراجعة البحث، وتشكيل اللجنة المناقشة وغيرها من الإجراءات، حتى تحدد لــ”عامر” موعد المناقشة في أواخر شهر أغسطس الماضي على أن يكون يوم المناقشة يوم 25 من شهر سبتمبر.

ويصف عامر الـــ25 يوما من شهر سبتمبر بأنهم 25 سنة، بسبب حالة التوتر والترقب التي كان يعيشها وما كان يعانيه من قلق شديد وخوف ليس نقصا في الثقة بنفسه، لكن خوفا من انتقاد اللجنة.

وتناول بحث عامر تحليل نقدي إيديولوجي للعناصر اللغوية التي استخدمها الصحفيون الأجانب والعرب خلال تغطيتهم لمجريات الأحداث في ليبيا، وكيف أن هذه العناصر تكشف براعة الصحفيين في استخدام اللغة لإقناع القراء بما ينشدون إلى حد يصل إلى إقناعهم باتخاذ مواقف معينة اتجاه الوضع الحالي في ليبيا، ويهدف البحث إلى وضع إطار عام يوضح كيفية استخدام عناصر لغوية عدة لتقديم أطراف النزاع في ليبيا إما بصورة إيجابية أو سلبية وفق ما يتفق مع ايديولوجية الصحفي.

وتوصل البحث –حسب عامر المصطفى- إلى أن الصحفيين قد استخدموا ببراعة عناصر لغوية عدة للتأثير على مواقف القراء فيما يخص الثورة الليبية لتتوافق مع الايدولوجية الخفية لهؤلاء الصحفيين من خلال التركيز على أخطاء أو جرائم طرف وتبرير أخطاء وجرائم طرف آخر.

ولاحظ عامر من خلال بحثه أن “لغة الأخبار في الصحافة الأجنبية والعربية مرتبطة بشكل وثيق بسياسة وإيديولوجية المؤسسة الصحفية أو البلد الذي تتبعه، بحيث أن هذه الايديولوجية هي العامل الرئيسي الذي يحدد طريقة صياغة الخبر ونقله للقارئ، وعرض ذلك فيما يقارب 466 صفحة”.

وتم مناقشة البحث في اليوم المحدد له، ولم يوجه لعامر أي انتقاد من لجنة مناقشة البحث بل كان ثناء على مجهوده الرائع، وجاءت اللحظة المنتظرة لحظة إعلان النتيجة وحال تفوه المناقش له في البحث بمنحه “درجة الدكتوراه مع مرتبة الشرف الأولى”، لم يدرِ عامر بنفسه إلا وهو ملقى جبينه على الأرض ساجدا شاكرا ربه على التوفيق والنجاح.

وبعد حديثه عن حصوله على الدكتوراه، سكت لبرهة من الوقت سارحا بخياله مستعيدا ذكريات الزمن الجميل، ليبتسم ويحدثنا عن أبرز المواقف المشجعة له في نيل الدكتوراه وإصراره عليها، وهو حينما كان بعامه الأول في جامعة حلب بكلية الآداب توجه إلى مكتبة الجامعة المركزية ليشتري كتابا عن الشعر الإنجليزى وكان المختص بالكتب طالبا فى الصف الثالث الجامعي، فتوجه عامر لأخيه الأكبر “عبدالرحمن” ليقول له متمنيا متى أصير بالصف الثالث؟، لينهره عبدالرحمن ويعنفه قائلا: بدل من قولك ذلك، قل متى أصبح دكتورا جامعيا.

وتوجه عامر خلال حديثه بالشكر والتقدير للمشرفتين على بحثه الدكتورة منى فؤاد عطية، أستاذ اللغويات في كلية الآداب بجامعة حلوان ووكيلة الكلية لشؤون الدراسات العليا، ونهوت أمين العروسي، أستاذ اللغويات في الكلية نفسها، فهو مدين لهم بكل النجاح والتوفيق، ويتوجه بالشكر أيضا إلى “والده” السبب الرئيسي في خوضه تجربة الدكتوراه، فضلا عن أخيه عمر الذي كان أكبر الداعمين له في سنوات دراسته.

ويأمل عامر أن يحصل على الأستاذية وهي الدرجة الأعلى من الدكتوراه، لكن بسبب ارتفاع التكاليف المادية يؤخر هذا لحين استقرار الأمور، مناشدا مسؤولي التعليم العالي في مصر بمساواة الطالب السوري بالطالب المصري، لما يعانيه طالب الماجيستير والدكتوراه من ارتفاع في المصاريف الدراسية.

ويرغب عامر في الاستقرار في مصر، وأن يجد فرصة عمل بشهادته الحاصل عليها مؤخرا، وبالفعل عرضت عليه العديد من الجامعات الخاصة التدريس بها لكنه يقوم الآن بدراسة الأمور، ولكن في حالة توفر فرصة سفر خارجا بدخل مادي مناسب وعمل مناسب وإقامة جيدة فإنه سيفكر في الأمور ولن يرفضه متسرعا.

ويختتم الدكتور عامر المصطفى حديثه، موجها رسالة للطلاب السوريين في مصر، قائلا “ما فيش حاجة اسمها مستحيل ولا صعب، فيه حاجة اسمها هدف مهما حصل لازم أوصله وأتحدى كل الصعب عشانه”، ووجه أيضا رسالة إلى اللاجئين السوريين بمصر قائلا “إنهم دائما أصحاب عزة نفس وكرامة، ودائما رافعي رؤوسهم عاليا، مناشدا لهم أن يظلوا على مواقفهم وأن يحاولوا أن يثبتوا أنفسهم في أماكن عملهم”.

 

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

 

الوسوم