صيادو الإسكندرية سيواصلون ركوب الأحلام غير الشرعية

صيادو الإسكندرية سيواصلون ركوب الأحلام غير الشرعية
كتب -

الإسكندرية – عمرو أنور :

يرنو السكندري، رغم عنه، للبحر: مجتهدا في طلب الرزق أو حالما أو متوجسا، لا مفر له من ملاطمة الأمواج، لكنه كان يشعر دائما بصداقة راسخة معها.

 في الأعوام القليلة الماضية اضحى الشاب السكندري اسيرا للبحر بصورة أقسى مما ألفه في حكايات العجائز، يبدو أن البحر لم يعد صديقا للسكندري الذي ضاقت خياراته بصورة متزايدة، فهو بين المطرقة والسنديان لا يجد مفرا سوى أساطير الهجرة إلى الشاطئ الشمالي للمتوسط، المطرقة هي جفاف وصعوبة وخطورة صيد الأسماك، الحرفة الأكثر التصاقا بالسكندرى، فالمراكب المصرية مطاردة في الكثير من الموانيء العربية: غربيا في ليبيا وتونس والجزائر والمغرب، وشرقا وجنوبا في السعودية واليمن، والسنديان هي البطالة المتفاقم معدلاتها.

فاجعة زمزم ستتكرر

الهجرة عبر المتوسط عمل غير مشروع تتحالف الدول والحكومات على جانبي البحر لمنعها وملاحقتها وتجريمها، ما يرفع تكاليفها ويزيد مخاطرها، لكنها؛ وهذه مفارقة تحتاج لبحث؛ تكتسب المزيد والمزيد من الراكبين للمخاطر وللبحر، قد يكون تعقيد الظروف الأمنية في ليبيا التي كانت المنفذ الأوسع والأسهل للهجرة عبر المراكب الصغيرة لجنوب أوروبا، سببا لزيادة الطلب على منفذ الإسكندرية منذ يناير 2011.

 العام الماضى، وحده كانت منطقة أبو قير على موعد مع غرق 11 شابا من الذين جذبتهم الأساطير لمتن المركب زمزم والقت بهم للأمواج، وكان من بينهم: أحمد محمد إمبابى، على درويش، إبراهيم محمود مدنى، حمادة جاجا، محمد الأون، على شلبى، رجب السيد.

زمزم خلفت حكايات مفجعة، لكن الفجيعة لم تمنع من يرى أن الواقع أكثر مرارة من المحاذير والحكايات، لم تمنع حكاية الشاب حديث الزواج الذي ترك عروسه في شهر العسل على وعد ان تلحق به إلى إيطاليا بعد أيام، لكنها استقبلت الترمل على وقع اللوم، لم تمنع الحكاية مئات وآلاف من المغامرة، مدفوعين بأحلامهم الكبيرة لركوب البحر فرارا من واقع يزداد قتامة.

بطالة تطال 7 آلاف صياد

الريس سالم أبو سمرة صاحب الخبرة العريضة بالبحر والصيد، وعم محمد أحد ضحايا” زمزم” يحمل الحكومة وزر الضحايا، ويقول:” الحكومة لا تساعد الصيادين على توفير لقمة العيش لعائلاتهم، الصياد يظل عاطلا ومتوقفا عن العمل 6 أشهر بسبب قرارات الحكومة بمنع الصيد، فما هو الحل إذن للصياد وأسرته، وماذا يعمل؟ ليس أمامه خيرا سوى أن يفاضل بين ركوب الخطر والهجرة الغير شرعية، أو يقوم بتهريب البضائع”.

الريس أبو سمرة يقدر عدد الصيادين فى أبو قير بما يترواح ما بين 5 إلى 7 آلاف صياد” لا يجدون قوت يومهم، لذلك يلجأ الشباب منهم للهجرة”.

وتابع أبو سمرة:” الحكومة لم تعوض أسر الصيادين الذين لقوا مصرعهم بأى شىء، ليظل الأمر كما هو، ويعود الصيادون مرة أخرى للهجرة الغير الشرعية”.

اسئلة العقل واجابات الواقع

العقل يقول: لأن المخاطر تتعاظم تكتسب المعلومات المتوفرة عن تفاصيل رحلة الهجرة مزيدا من السرية والخطورة، وتتعرض الأسئلة التقليدية: أين، ومن، وبكم، وكيف لمتغيرات سريعة، لكن الواقع يقول أن ركوب البحر والهجرة لاوروبا محمى بغطاء اجتماعي يصونه ويضع له قيودا وحدودا.

 في السؤال عن أين، هناك روابط جغرافية واجتماعية، في الجغرافية يبرز عنوان” خليج ولسان أبو قير وبحيرة وشاطئ إدكو” على الشواطئ يلتقي راغبو” الركوب” وأصحاب المراكب والوسطاء، في اللسان منطقتين تنطلق منهما المراكب باتجاه شواطئ الأحلام: بير مسعود والغويشة، المنطقتان معروفتان مشهورتان، والنشاط فيهما يبدو ظاهرا، لكن واقعهما يبدو وكأن الأمن وحرس السواحل يجهلهما، ويجهل ما يدور فيهما، وما ينطلق منهما.

في اجابة  السؤال عن من، يظهر أصحاب مراكب” الأحلام” بوضوح، فهم معروفون، اشهرهم وأكثرهم سطوة ونفوذا وثقة لدى الحالمين، صاحب مجموعة مراكب صيد ترسو على شواطئ  إدكو- مركز تابع لمحافة البحيرة مطل على بحيرة إدكو وخليج أبو قير-، وهو يرتبط بعلاقات نسب مع عدد من  صيادي أبو قير.

أما التكلفة فتدور حول  8 آلاف جنيه والعشرة آلاف، والمركب الواحد يحمل ما بين 25 و30 شخصا.

السيسي وثلاثية الاختيار

محمود السخاوى، صياد خبير فقد نجل شقيقه العام الماضى ضمن من اخذتهم” زمزم” للشاطئ الأخر من الحياة، يبدأ من التساؤل هل لأسر الضحايا حق لدى الدولة في تعويض عن ذويهم الذين فقدوهم في البحر؟ ويجيب:” لنا حق عند الدولة، الصياد لم يعد يفكر بعد ان ضربته البطالة إلا في الاختيار بين الهجرة أو التهريب أو بيع المخدرات”.

والسخاوى لا يجد رابعا” منقذا” من هذا الثلاثي المدمر إلا المشير عبد الفتاح السيسى، فيطالبه:” بالتدخل لانقاذ مئات الأسر فى الإسكندرية من البطالة والهجرة الغير شرعية”.

الاغتراب والتجسس

الدكتور محمد مهدلى أستاذ علم الإجتماع بالمعهد العالى للخدمة الاجتماعية بالإسكندرية يعتبر أن:” المجتمع، بكل فئاته، يعانى من انقسام وعزلة، فلا احد يشعر باحد، ولا جماعة تشعر بجماعة آخرى، والأخطر أن الحكومات المتعاقبة منذ يناير 2011 لا تشعر ولا تسمع ولا تهتم  سوى بمن ينظمون الاضرابات أو الاعتصامات، لكن على الحكومة ان تحذر، فإن غضب الصيادون فلن يستطيع أحد  السيطرة على غضبتهم”.

ويخلص، مهدلي، إلى أن:” الحكومة هى السبب؛ فهى التى تمنع الصياد من الصيد بدعوى الحفاظ على الثروة السكمية دون أن تجد حلولا مقنعة لبطالة لأكثر من نصف العام؛ وتتركه عرضة لسماسرة لا هم لهم سوى جمع المال، وعلى الحكومة اعادة النظر لمشاكل الصيادين وحياتهم الخاصة قبل أن ينقسموا ويغتربوا أكثر من انقسامهم واغترابهم الحالى، فهم لا يشعرون بأنهم من أبناء هذا البلد، لذلك فهم يفكرون دوما فى الهجرة والعيش فى بلاد أوروبا، وهم عرضة لـ” التجنيد للتجسس” من قبل أجهزة معادية لمصر حال استمرارهم؛ بظروفهم غير المستقرة وغير القانونية؛ خارج الوطن وأحضانه”.