“شهيدة حب” و”بيوت جنائزية” في مزارات “تونا الجبل”

“شهيدة حب” و”بيوت جنائزية” في مزارات “تونا الجبل”

تصوير: أحمد دريم

الحياة والموت يظهران هنا في “تونا الجبل” جنبًا إلى جنب، يظهر ذلك في البيوت القديمة وبقايا “معيشة” ومقابر موتى وسراديب لتحنيط الحيوانات.

“تونا الجبل” إحدى قرى محافظة المنيا، تقع غربي مركز ملوي، وبحسب سيد عبدالملك، مفتش آثار، فإن المقطع الأول من اسمها “تونا” ربما اشتق من كلمة قاونت، التي تعني إقليم الأرنب أو اشتق من كلمة “قاحنت” بمعنى البحيرة الصغيرة، التي كان يتجمع فيها طائر “الأييس” رمز المعبود تحوت، معبود المنطقة آنذاك.

1

من معالم المنطقة السراديب التي كانت مُعدّة لدفن الطيور المقدسة “الأييس” و”القرد”، ومقبرتا بتوزيرس وإيزادورا، والساقية الرومانية، إلى جانب المنازل الجنائزية واللوحة الحدودية، كل هذه المعالم ترجح أن تاريخ المنطقة يرجع إلى الفترة من 350 ق.م إلى 300 ميلادية، وقد اكتشفت تلك المعالم عام 1935.

السراديب

هي أكبر جبانة لدفن الحيوانات المقدسة، التي تمثل مجموعة ضخمة من الممرات المنقورة في الصخر، والتي كانت مخصصة لدفن طيور أبومنجل المقدسة، وكذلك القردة بعد تحنيطها، ومكونة من أربعة أجزاء A-B-C-D، أقدمها يرجع إلى عصر الأسرة 26، اكتشفها العالم سامي جبرة، بدأ الحفر فيها منذ عام 1931 واستمر حتى 1952، بتمويل من جامعة القاهرة.

البيوت الجنائزية

تضم القرية 39 منزلًا جنائزيًا، يرجع تاريخها إلى أوائل القرن الرابع قبل الميلاد وحتى نهاية القرن الثاني الميلادي، بنيت من الطوب اللبِن المغطى بطبقات من الجص الملون، زينته رسومات دينية من مصر القديمة، يغلب عليها الطابع الإغريقي، أغلبها يتكون من حجرتين، تحتوي الداخلية على سرير توضع عليه مومياء المتوفى.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

كل منزل يحمل قصة، وسمي منزل وليس مقبرة لسببين، الأول لأن المقابر علي هيئة منازل مكونة من أدوار تصل حتى الرابع، لكن بسبب التغيرات الجيولوجية رُدمت أغلب الأدوار وظهر المنزل كأنه بدور واحد وافقط.

أما السبب الثاني فهو وجود أكثر من عادة للدفن، فالمصري القديم كانت بعد الوفاة يتولى تحنيط الجثة ثم دفنها في حجرة معدة لذلك، أما اليونان فكان لديهم ثلاث طرق كالمصري القديم والدفن منها الدفن على سطح الأرض أو حرق الجسد، وهناك مقابر تشبه شكل الهرم وهي تمثل الطريقة الثالثة، إذ أقدم اليونانيون على حرق الجسد ووضع الرماد في إناء فخار مع كتابة اسم صاحبها على ذلك الإناء.

الساقية الرومانية

لم تكن “تونا الجبل” مدينة أموات فقط، بل كانت مدينة حية أيضًا، فإلى جانب الموتى كان مجموع من الكهنة يعيشون، وهو ما يستلزم وجود مياه وطعام- كحد ادنى لاستمراهم أحياء، لذلك صنع المصري القديم الساقية الرومانية، وهى أكبر ساقية موجودة حاليًا.

يصل عمق تلك الساقية إلى 70 مترًا، وأنشئت على مرحلتين، الأولى حفر المصري القديم الأرض علي عمق 40 مترًا، كانت تدور الساقية بالبشر والمرحلة الثانية عن طريق سحب المياه إلى السطح بزيادة 30 مترًا، وفي هذه المرحلة استخدمت الثيران، وما زال النموذج الخشبي للساقية موجود.

مقبرة بتوزيرس (350 ق.م)

هي النموذج الوحيد للحضارة الهلنستية، وهي مزيج بين الحضارتين المصرية القديمة واليونانية، وتعود إلى  بداية دخول الإسكندر الأكبر مصر.

13

بتوزيرس هو كبير كهنة المعبد فى تونا الجبل، وتتكون مقبرته من صالتين: أمامية وخلفية، الأمامية تجمع بين الطرازين المصري واليوناني، والذي يتمثل في مظاهر الحياة اليومية للمصري القديم كالحصاد والزراعة والصناعات المختلفة، كما تضم منظرًا لمراحل ولادة البقرة.

أما الصالة الداخلية فتتحدث عن مظاهر الحياة الدينية، وجمعيها مناظر مصرية خالصة، لأن المصري القديم كان يعتز بدينه كثيرًا، يتوسط الصالة الداخلية “البئر” المؤدية إلى حجرة الدفن.

شهيدة الحب

من أهم هذه مقابر تونا الجبل مقبرة “إيزادورا”، التي لقبها الدكتور طه حسين، “شهيدة الحب” واستوحى منها فكرة روايته “دعاء الكروان”، وترجع إلى 120 ق.م.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

والمقبرة لفتاة رومانية جميلة، ابنة حاكم إقليم في عهد الإمبراطور، هربت ليلا في الظلام وأخذت قارب وعندما نظرت ووجدت حبيبها في انتظارها توقف عن التجديف فغرقت، حزن والدها عليها وكتب رثاء لها على جانبي المدخل المؤدي إلى الحجرة الثانية.

استراحة الدكتور سامي جبرة

سامي جبرة هو مؤسس جمعية الآثار القبطية، ولد في مدينة أبنوب بمحافظة أسيوط في 24 أبريل 1892، وتعلم في “مدارس الأمريكان” بأسيوط، ثم غادر مصر إلي فرنسا لدراسة القانون، وهناك حصل علي درجة الدكتوراه من جامعة السوربون عام 1918، حول “تاريخ الملكية في مصر من العصور القديمة حتى العصر العربي”.

استراحة الدكتور سامي جبرة
استراحة الدكتور سامي جبرة

ومن شدة عشقه للآثار، كان يسافر مع أبناء عمومته لزيارة الآثار الموجودة بمنطقة أبنوب مسقط رأسه، ثم سافر مرة أخري إلي إنجلترا، وهناك اتخذ قرارا غيّر مسار حياته، وتحول من دراسة الآثار بدلا من القانون.

طه حسين

في عام 1931 وافق عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين “وكان وقتها يشغل منصب عميد كلية الآداب” علي تخصيص مبلغ 500 جنيه للكشف عن جانب من آثار منطقة الأشمونين بمحافظة المنيا.

بعد قرار الدكتور كه حسين بدأ الباحثون يعملون في منطقة “تونا الجبل” لمدة أكثر من عشرين عاما حتى تمكنوا من العثور علي مدينة كاملة وسراديب تحت الأرض.

استراحة الدكتور طه حسين
استراحة الدكتور طه حسين

كما كُشف عن وثائق مهمة ونصوص باللغتين الهيروغليفية والديموطيقية خاصة بالمعبود تحوت، أثبت فيها توصله إلي مبدأ التوحيدMonotheism قبل أخناتون، وقد لاقي هذا العمل مؤازرة كبيرة من الدكتور طه حسين حتى أنه كان يزوره كثيرا في منطقة تونا الجبل، واتخذ له في هذه المنطقة استراحة خاصة به، وما زالت هذه الاستراحة باقية حتى الآن.

الوسوم