سوريون في طريق الآلام إلى مصر عبر السودان ثم إلى السجن

سوريون في طريق الآلام إلى مصر عبر السودان ثم إلى السجن سوريون فارون من تجدد القتال الحدود التركية يونيو 2015. Anadolu AgencyA.I. Oztury

قبل ثمانية أشهر من الآن غادرت حفيظة أحمد، تبلغ من العمر 70 عامًا، الأراضي المصرية متجهة إلى سوريا، تاركة زوجها وابنها في محافظة بني سويف (أكثر من 100 كيلومترًا جنوب القاهرة)، متجهة إلي منزلها في داريا (مدينة سورية في ريف دمشق غرب العاصمة بحوالي 8 كيلومترات)، السيدة التي تعاني من مرض السكر والقلب وضغط الدم وآلام العمود الفقري المجبور بشريحتين من البلاتينيوم، استشعرت دنو النهاية، فآثرت أن ترى أبناءها وأطفالهم قبل الرحيل، لكن غارة جوية مفاجئة أنهت مكوثها الذي تجاوز الثمانية أشهر، محت بيت الأسرة من على وجه الأرض، ابناها وأطفالهما نجوا من القصف، وانتقلا للعيش مع أهل زوجتيهما، ولم يعد أمام الأم السبعينية سوى العودة لمصر، لكن هذه المرّة لن تكون الرحلة عبر الطيران، ومن خلال المطارات الدولية.

منذ عامين تقريبًا، وبالتزامن مع اتهامات وجهها بعض الإعلاميين المصريين للسوريين المقيمين في مصر بالانضمام لمظاهرات الإخوان، ضيّقت السلطات المصرية الخناق على دخول السوريين لمصر ومنحهم تراخيص الإقامة، دولتان فقط أبقيتا أبوابهما مفتوحة في وجوه السوريين بدون تأشيرة للدخول، السودان، وماليزيا، غير أن الثانية اشترطت امتلاك السوري لألف وخمسمائة دولار أمريكي، حتى تسمح له بالولوج لأراضيها، بينما لم يشترط السودان أي شئ لاستقبال السوريين، يقول فراس يحيى، المحامي السوري المقيم بالقاهرة.

يقول سعيد محمد المنجي، سوري، 70 عامًا، زوج السيدة حفيظة، إن عودة زوجته لم تكن لتتم سوى عن طريق السودان بشكل غير شرعي، فالدخول الشرعي لمصر بات غاية في الصعوبة، قد تكون مضطرًا لتقديم رشوة تصل لـ3 آلاف وخمسمئة دولارٍ أمريكي (ما يعادل 31 ألف جنيه مصري بالسعر الرسمي للبنك المركزي)، بينما رحلة التسلل عبر السودان تتكلف من 600 إلي 700 دولار، تشمل الطيران من دمشق إلى الخرطوم مباشرة، أو التحرك من سوريا إلى بيروت برًا، ثم الطيران من بيروت، إلى الخرطوم، ثم استقلال حافلات ركاب من الخرطوم لقرب الحدود المصرية السودانية، والتسلل بمساعدة مهربين من الجانبين السوداني والمصري، “الرحلة خطرة لكننا لا نملك رفاهية الاختيار”، أنا رجل عجوز لا أعمل، ولا يقبل أحدهم بمنحي فرصة عمل.

رسم توضيحي لخط سير رحلة التسلل من سوريا للسودان ثم مصر
رسم توضيحي لخط سير رحلة التسلل من سوريا للسودان ثم مصر

وفقًا للموقع الإلكتروني للمفوضية العليا لشئون اللاجئين، تجاوز عدد اللاجئين السوريين في العالم عام 2015، حاجز الأربعة ملايين، من بينهم أكثر من 132 ألفًا في مصر، بينما يقول المحامي فراس يحيى، إن عدد من دخلوا مصر عبر السودان، منذ العام 2013، قد يتجاوز العشرة آلاف سوري، يتعرضون لاستغلال تجّار البشر، الذين يزينون لهم رحلة الدخول لمصر، بينما الواقع يشهد بعكس ذلك، فبحسب شهادات سمعها ممن نجوا من هذه الرحلة الخطرة، يجري شحن المتسللين في عربات نصف نقل غير مؤهلة لنقل البشر، وفي ظروف مناخية شديدة القسوة، ورحلة عبر الصحراء تتجاوز مدتها الست ساعات، من بين المتسللين يكون هناك أطفال ونساء وعجائز، “في إحدى المرّات انقلبت الشاحنة التي تقل السوريين، فتركهم المهربون ولاذوا بالفرار، سيدة عجوز توفت، فدفنها ابنها في الصحراء، ودورية شرطة مصرية أنقذت بقيتهم”.

السيدة حفيظة كادت أن تلقى مصير غيرها من العجائز ممن لا تقوى أجسادهن على تحمل مشقة هذه الرحلة الخطرة، قبل شهرين وصلت للخرطوم على متن طائرة قادمة من دمشق، تواصلت مع أحد السوريين المقيمين في السودان ممن لهم اتصالات بالمهربين، دفعت 500 دولار مقابل إدخالها لمصر عبر الحدود البريّة، وبعد رحلة طويلة في الصحراء شديدة الحرارة، طلب منهم المهربون النزول من الشاحنة والسير على الأقدام داخل الحدود المصرية، لكن دورية عسكرية ألقت القبض عليها ضمن 13 سوريًا وعدد آخر من المتسللين من جنسيات أخرى، 13 سوريًا، من بينهم 4 سيدات و6 أطفالٍ، جرى التحفظ عليهم في وحدة عسكرية في حلايب وشلاتين على الحدود المصرية السودانية، ثم ترحيهم لقسم شرطة أول مدينة الغردقة، التابعة لمحافظة البحر الأحمر.

يقول صفوان المنجد، سوري مقيم بالقاهرة، إن زوجة أخيه وأطفالها الثلاثة، ظلّوا في سوريا طيلة السنوات الماضية، رغم أهوال الحرب، كانوا في دمشق وهي أكثر المدن أمنًا مقارنة بكافة المناطق السورية، وإن شقيقه سافر إلي السويد واستقر هناك، وقد أعلنت دولة السويد عن ما يمكن تسميته بمبدأ “لم الشمل”، أي السماح للمقيمين على أراضيها باستقدام أسرهم، وقد حددت عدّة سفارات في بعض الدول ليتم من خلالها هذا الأمر، ومن بين هذه الدول، مصر، ومنذ أكثر من 60 يومًا تقبع زوجة أخيه وأطفالها في الحجز، داخل قسم شرطة أول الغردقة، “هناك تعاطف إنساني محمود من عناصر الشرطة تجاه المحتجزين السوريين، لكن الاحتجاز يبقى أمرًا قاسيًا مهما كانت الظروف تبدو مريحة، لك أن تتخيل معاناة أطفال داخل الحجز، شاهدت سيدتين مسنتين أيضًا، وأطفالًا لأسرة سورية أخرى”.

يقول فراس يحيى، إن هذه القضية التي يعكف عليها منذ أكثر من 40 يومًا، قد تنتهي بإطلاق سراح المحتجزين السوريين، مع تعهدهم بتوفيق أوضاعهم، مثلما حدث مع عدة وقائع مشابهة، لكن الكارثة السورية لم تُحلّ بعد، ولا يوجد ما يشير إلى انفراجة قريبة في الأزمة، وليس أمام السوريين سوى الولوج من كل ثقب متاح مهما كانت درجة القسوة والألم المتوقعة، فغالبية من يقصدون مصر، إنما يقصدون أسرهم وعوائلهم، يحبون مصر وأهلها الأقرب شبهًا بهم، “في مصر فرص عمل كثيرة للسوريين، مناخ آمن، لا نعاني من المطارادات الأمنية مثلما نعاني في دول أخرى كالأردن ولبنان، لابد من حل لهذه المعاناة، باتت رحلة التسلل لمصر عبر السودان رحلة خطرة ومميتة في بعض الأحيان، لكنها رحلة يُساق لها المضطّر”.

 

الوسوم