جابريل جارسيا ماركيز يجيب عن سؤال: ما هو سر الكوكاكولا؟

جابريل جارسيا ماركيز يجيب عن سؤال: ما هو سر الكوكاكولا؟

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

هل تعرف ما هو سر الكوكاكولا؟

أخبرني أحد أقاربي، وهو رجل جاوز الستين من عمره، مازحًا عن مشهد قديم كان يراه حين كان طفلًا، وهو مشهد دخول أحد الرجال حاملًا بيده زجاجة الكوكا كولا، إلى بيت مريض، وكيف كانت نساء بيت هذا المريض يولولن، بسبب هذا المشهد، فكون المريض طلب شرب زجاجة الكوكاكولا، يعني أن حالته متأخرة جدًا، بل وميؤس منها.

المشهد الذي يرويه لي رجل يعيش في محافظة سوهاج بصعيد مصر، يبدو قريبًا جدًا من حقائق كثيرة ومثيرة يذكرها أشهر كتاب أمريكا اللاتينية، في هذا المقال “في تلك الأزمنة.. أزمنة الكوكا كولا”، الذي نعيد نشره، من كتاب كيف تكتب الرواية ومقالات أخرى، للكاتب والأديب الراحل جابريل جارسيا ماركيز، من ترجمة صالح علماني، حيث بعض الإجابات، عن سرّ هذا المشروب الأشهر في العالم.

“لقد أثبت الكوبيون، بين الأشياء الكثيرة التي أثبتوها، ان يمكن العيش دون “الكوكا – كولا” على بعد تسعين ميلًا من الولايات المتحدة. فالكوكا كولا هي البضاعة الأولى التي نفدت بعد فرض الحصار الاقتصادي على كوبا، ولم يبق من ماضيها أي أثر اليوم في ذاكرة الأجيال الجديدة.

وكما في جميع البلدان الرأسمالية، كان أشهر المرطبات في العالم قد تحول في كوبا القديمة، المفسدة في سياحة بلا قلب، إلى عنصر جوهري من عناصر الحياة. بدأت الكوكا – كولا بالدخول إلى كوبا في ظل دكتاتورية الجنرال خيرادرو ماتشادو الوحشية، في العقد الثاني من هذا القرن الذي ولد تحت برج التفاهة، حين لم تكن قد اخترعت بعد السدادات المعدنية التاجية، وكانت زجاجات المياه الغازية تغلق بكرة زجاجية مضغوطة ومثبتة بسلك، مثل فلين زجاجات الشمبانيا.

وكانت عملية إدخالها إلى البلاد شاقة جدًا، وربما كان السبب في ذلك هو عائق ثقافي: إذ ليس للكوكا – كولا طعم لاتيني. ومع ذلك، وشيئًا فشيئًا، تمكن الضغط الدعائي المخاتل من إحداث شرخ استجابة في أشد البؤر الاجتماعية تأثرًا بالذوق السائد في الولايات المتحدة، وإلى أن أزاح مذاقها السكسوني من السوق الليمونادة المألوفة المصنوعة من ليمون حقيقي وجميع المرطبات الوقورة ذات السدادات الكروية الموروثة عن اسبانيا الريفية، كما أنها هزمت علكة Wrigley’s المرنة كرمز لنمط غريب من الحياة.

ساد الاعتقاد بأن من يشرب زجاجة “كوكا – كولا” في ساعة معينة كل صباح يتعرض للإصابة بفتنة أو إدمان شبيه بالإدمان على السيجارة أو القهوة. وكان يسود اعتقاد بأن ذلك ناتج عن مركب سري الشراب، وحسب بعض المضلعين، فقد كانت “الكوكا – كولا” تحتوي على الكوكائين حتى عام 1903، وليس كمرطب، وذلك في أواخر القرن الماضي، على يد دكتور يدعى بامبيرتون، وهو صيدلاني من ألاباما (جورجيا)، كان يعبئها باسمها الشهير لعلاج التشنجات المعوية والمغص الصباحي.

ويحمل اسم الشراب وزمن إنتاجه، على الاعتقاد بأنه كان يحضر فعلًا من أوراق نبات الكوكا، الذي يستخرج منه الكوكائين، إذ كان شائعًا في ذلك الزمان استخدام أوراق البلادونا واكسير الباريغوريكو لتسكين الآلام الباطنية.

وقد باع الدكتور بامبيرتون معادلة الشراب عام 1910 إلى شركة المرطبات التي ستغزو به العالم. ولأن الشراب يحتوي على مادة سرية فقط، نال مقابله مبلغًا خياليًا بالنسبة لذلك الزمان: خمس مائة دولار، ومع ذلك، فقد اثبتت سلطات البيرو عام 1970 أن المرطب لا يحتوي على كوكائين، وكان بوسع هذه السلطات منع تداوله، لو شاءت، لأن اسمه يحمل الجمهور على الاعتقاد أن الشراب يحتوي شيئًا لا يحتويه في الواقع.

وفي فرنسا حيث يتوجب التنبيه إلى كل بضاعة تحتوي على مادة ذات استخدام حساس، يُطبع على زجاجات “الكوكا – كولا”، تحذير يقول إنها تحتوي على الكافيين، وتقول الأسطورة إن شخصين في العالم كله فقط يعرفان المعادلة السرية للشراب، وإنهما لا يسافران معًا في طائرة واحدة على الإطلاق.

أثناء مهرجان الشباب في موسكو، عام 1957، كان أول ما فاجأ الزائرين الغربيين خلال أربعة أيام مديدة من التجوال في أرجاء أوكرانيا هو رؤيتنا لحظائر متوحدة تطل أبقارها من النوافذ، وقرى وعرة تجوبها عربات محملة بالزهور ورجال غامضون يخرجون بالبيجامات لاستقبال القطار في المحطات.

لكننا لم نر في أي مكان تحت سماء الصيف الملتهبة إعلانًا واحدًا للكوكا – كولا. وقد لفت ذلك انتباه أذهاننا المشبعة بالدعاية الغربية. وبعد انقضاء عدّة أيام من الألفة، تجرأت مترجمة متشوقة لمعرفة مفاتن الرأسمالية، وسألتني ما هو مذاق الكوكا – كولا، وأجبتها بالحقيقة التي أحسها: “لها مذاق الأحذية الجديدة”.

في ذلك الحين كان هناك أطباء يصفونها كدواء للأطفال المصابين بالزحار، وآخرون ينصحون بتناولها لترميم قوة القلب، كما كان هناك من يؤكدون، ومن خلال تجربتهم الشخصية، أن تناولها مع الأسبرين يمنحها مفعول المخدرات.

أما طبيب أسناني، فكان يؤكد دو أن يطرف له رمش، أنه يمكن لسن مغمور في كأس من الكوكا – كولا أن يذوب تمامًا خلال 48 ساعة. عند انتصار الثورة الكوبية كانت إمكانيات توسيع سوق “الكوكا – كولا” في كوبا محدودة جدًا، لأن موزعيها كانوا قد وصلوا إلى أبعد من حدود إمكانياتها كمرطب، وذلك باختراعهم “الكوبا ليبري” – وهي مزيج من الكوكا – كولا والروم الكوبي – ولكن، حتى في هذه الحالة، فإن 900 ألف كوبي فقط من أصل ستة ملايين كانوا في ظروف تسمح لهم بشرائها بشكل منتظم.

وحين استولى العمال الكوبيون على معامل التعبئة في هافانا، لم يتمكنوا من مواصلة إنتاج “الكوكا – كولا”، لأن المادة الأساسية كانت تأتي من الولايات المتحدة، والكمية المخزنة منها في المصنع كانت ضئيلة جدًا. والشيء الوحيد الذي بقي مبعثرًا في جميع أرجاء البلاد هو مليون زجاجة فارغة.

أبدى المتشددون معارضتهم لمحاولة تصنيع بديل لشراب يمثل رمزًا لكل ما كان الكوبيون يودون نسيانه. لكن تشي غيفارا، بوضوحه السياسي المذهل، رد عليهم بالقول أن رمز الإمبريالية ليس في الشراب بحد ذاته، وإنما في شكل الزجاجة بالذات.

والحقيقة التي ربما لم يعرفها غيفارا على الإطلاق، هي إن تصميم الزجاجة لم يتم غلا في سنة 1915، أي بعد نحو عشرين سنة من ابتكار الدكتور بامبيرتون للشراب، وحين لم يكن للكوكا – كولا من وجود إلا في الولايات المتحدة.

ولكنهم منذ ذلك الحين بدأوا يتجرؤون على إرسالها وحيدة لتجوب العالم. وكان تشي غيفارا بالذات هو الذي قرر، كوزير للصناعة، بدء المحاولة لتصنيع بديل يستخدم في “الكوباليري”. كانت أكثر العقول جمودًا قد فكرت بإتلاف الزجاجات الفارغة الموجودة في البلاد للقضاء على أصل الداء.

لكن عملية حسابية جديدة أثبتت أن معامل القوارير الكوبية ستحتاج لعدة سنوات كي تعوض تلك الزجاجات بأخرى، ذات شكل أقل خبثًا، وكان على أشد الثوريين تشددًا أن يستخدموا الزجاجات الملعونة إلى أن يتم انقراضها بشكل طبيعي. وكل ما هنالك أنهم أصبحوا يعبئونها بكل أنواع المرطبات، ما عدا ذاك الذي ارتجلوه للاستخدام في “الكوبا ليبري”. حتى سنوات قريبة، كنا نحن الزائرين القادمين من بلدان رأسمالية نشعر بنوع من البلبلة الذهنية حين نتناول ليمونادة شفافة في زجاجة “كوكا – كولا”.

وقد كان الكوبيون أنفسهم هم أول من وافق على أن تقليدهم “للكوكا – كولا” ليس أحد نجاحاتهم الكبرى. فقد راجت طرفة في الشارع، واكتسبت شعبية واسعة، حتى أن الكيميائيين أنفسهم كانوا يروونها، تقول إن كل زجاجة من شرابهم لها مذاق مختلف عن الأخرى، وهذا يجعل منه المرطب الأكثر أصالة في العالم.

وحين قدموا العينة الأولى منه إلى تشي غيفارا، تذوقها، وتمعن بمذاقها بجدية ذواقة محترف، ثم قال دون أدنى تردد: “لها طعم البراز”. وفيما بعد، أعلن عبر التليفزيون أن لها طعم الصراصير. لكن هذا الشراب الجديد شق طريقه رغم ذلك.

والمادة الجديدة، التي سميت مرطب الطولا، دون أي ادعاء آخر، انتهت للتوصل إلى أن لون يشبه إلى حد بعيد لون الشراب الأصلي، وإلى طعم لم يعد هو طعم البراز أو الصراصير، لكنه خالٍ دون ريب من الطعم السكسوني، فمذاقه أحلى قليلًا، وهو أقل جفافًا وبه نكهة غريبة من الشوكلاتة، كما أنه شراب جيد للتخلص من الظمأ والحر، وعند مزجه مع الروم الكوبي الأصيل يتوارى مظهره الدخيل إلى أقصى الحدود.

ومن جهة أخرى، أجهز سوء الاستعمال المتعمد على الزجاجات القديمة قبل الوقت المتوقع بكثير، وتلاشى الرمز من الذاكرة الاجتماعية ولم يصل إلى الأجيال الجديدة. وبعد خمس عشرة سنة من بدء الحصار الاقتصادي، وجد كاتب كوبي بالمصادفة، أثناء مروره العابر في باريس، زجاجة كوكا – كولا شاردة من المغرب، عليها كتابة بالحروف العربية المبهمة الشهيرة.

وبدافع الفضول اشترى الكاتب الزجاجة ليحملها معه إلى هافانا، ولدى وصوله، عرضها بابتهاج على ابنته ذات الخمسة عشر عامًا. نظرت الطفلة إلى الزجاجة بحيرة دون أن تفهم سبب مبالغة أبيها بالإعجاب. فقال لها : “انظري، تأملها جيدًا، إنها زجاجة كوكا – كولا مكتوب عليها بالعربية”. فسألته الصغيرة التي ما زالت في حيرة من الأمر: “وما هي الكوكا – كولا؟”.

تنويه: الصور المرفقة موجودة على الموقع الرسمي لشركة كوكاكولا

الوسوم