سالوجا وغزال.. معبر الطيور المهاجرة وذاكرة 500 عام من تاريخ النيل

تعتبر محمية جزر سالوجا وغزال في وسط نيل أسوان جنوبي مصر، من أجمل البقاع في مصر، وتتميز بوجود العديد من البيئات الصحراوية والزراعية والصخرية  في نفس المكان.

وتحظى المحمية بأهمية كبيرة نظرا لوقوعها في أحد مسارات هجرة الطيور في فصل الشتاء، لذلك أصبحت مقصدا لجميع الباحثين والعاشقين لرصد الطيور على مستوى العالم.

وأعلنت سالوجا وغزال محمية طبيعية بقرار رئيس الجمهورية رقم 928 لسنة

1986، حيث تتسم هذه المحمية الصغيرة بسحر خاص بما تحتويه من مناظر طبيعية خلابة تأخذ قلوب روادها، ويتيح موقعها المتميز في وسط النيل الفرصة لمشاهدة تدفق نهر النيل من الجنوب إلى الشمال كما كان يحدث منذ ملايين السنين.

يقول الدكتور أبوالحجاج  نصر الدين، مدير عام المحميات الطبيعية بأسوان، إن محمية جزر الشلال الأول “سالوجا وغزال” في وسط نهر النيل بمدينة أسوان تعتبر من أصغر المحميات الطبيعية الموجودة في مصر، إذ تبلغ مساحتها 55 فدانا في معظم أيام السنة، وتزيد إلى 100 فدان مع انخفاض منسوب النيل ونقص المياه في بعض الأوقات، وتقع المحمية على مسافة قدرها 3 كيلو مترات تقريبا شمالي خزان أسوان.

ويضيف “معنى كلمة “سالوجا” هو الشلال في اللغة النوبية، وهي تتكون من مقطعين هما “سا” ومعناه منسوب النيل، و”أوجا” ومعناها ضوضاء المياه، أما “غزال” فهو اسم لأحد النباتات القديمة التي كانت تنمو على هذه الجزر وليس الحيوان المعروف.

ويوضح نصر الدين أن جزر سالوجا وغزال تتميز بطبيعة خاصة وهي تباين بيئتها ما بين مناطق رملية وصخور جرانيتية وترسيبات طينية، ما يثري التنوع البيولوجي، حيث تتميز كل منطقة بأنواع معينة من الكائنات الحية التي تعيش فيها، كما أن هذه المحمية تحتوي على البقية الباقية من نباتات وادي النيل التي ذكرت في الأساطير القديمة والمرسومة على جدران المعابد المصرية.

الست المستحية

يقول المهندس حسني حلمي، مدير محمية سالوجا وغزال، إن التنوع النباتي بالمحمية مدهش للغاية رغم صغر مساحتها حيث يبلغ عدد الأنواع النباتية فيها أكثر من 120 نوعا من أهمها خمسة أنواع من أشجار السنط وهي: القرض، والسيال، والخشب، والطلح، والخروب، بالإضافة إلى أشجار الحنة والنبق والعبل والبوص، علاوة على شجرة “الست المستحية” التي  تتميز بالإحساس الشديد وتنكمش أوراقها حينما يلمسها أي شخص كنوع من أنواع الدفاع، والتفسيرالعلمي لهذه الظاهرة هو أن النبات يسحب الماء من الأوراق إلى الساق حينما يشعر بالخطر.

ويضيف حلمي أن الجزر محاطة في معظم المناطق بنبات البوص الذي ينمو بكثافة على حوافها ما يسهم بشكل كبير في تثبيت التربة حول الجزر ومنعها من التآكل، كما تضم المحمية بين جنباتها تنوعا حيويا لأنواع كثيرة من الزواحف والحشرات من أشهرها البرص واسع العينين وسحلية خضاري وثعبان الكوبرا البخاخ، علاوة على وجود 60 نوعا من الحشرات مثل الراعشات والفراشات والخنافس بالإضافة إلى العديد من رخويات المياه العذبة وتظهر الكثير من الأصداف عند انخفاض منسوب النيل.

شباب النيل

ويوضح المهندس محمد زكي، الباحث البيئي بمحمية سالوجا وغزال، إن المحمية تقع على الجندل الأول من نهر النيل من بين ستة جنادل موجودة في مصر والسودان، وتعبر المحمية عن مرحلتي الشباب والنضج لنهر النيل، نظرا لقوة وسرعة اندفاع المياه وضيق المجرى المائي، ووجود عدد كبير من الجزر الصخرية في هذه المنطقة.

وطبقا لزكي فإن تاريخ الصخور الجرانيتية الموجودة بالمحمية يعود عمرها إلى أكثر من 500 مليون سنة، وتتميز بوجود ظاهرة الورنيش النهري وهي لمعان الصخور بشكل واضح وكأنها ملساء وبراقة، علاوة على وجود العديد من الحفر الوعائية بالمكان والتي تمثل قيعان نهر النيل، علاوة على أن أحد مميزات المحمية هو وجود محجر قديم جرى استخدامه في بناء التعلية الثانية من خزان أسوان عام 1934.

الطيور المهاجرة

ويضيف الباحث البيئي أن منطقة رصد هجرة الطيور هي  أبرز مميزات محمية سالوجا وغزال حيث يتراوح عدد الطيور في مصر ما بين 500 إلى 520 نوعا،  ويوجد في محافظة أسوان وحدها حوالي 230 نوعا من الطيور، أي ما يعادل نصف الطيور الموجودة في مصر تقريبا، بينما يبلغ عدد الطيور التي تم رصدها في سالوجا وغزال حوالي 138 نوعا نظرا لوجود البيئة المناسبة للطيور وتوافر الغذاء في الأراضي الرطبة المحيطة بالمحمية.

ويشير إلى أن العديد من السائحين والباحثين الأجانب خارج مصر يدركون الأهمية الكبيرة لمحمية سالوجا وغزال في مجال رصد الطيور لذلك يتوافدون عليها في موسم الشتاء لرصد هذه الأنواع المختلفة من الطيور المهاجرة، لذا جرى إنشاء محطة ترقيم الطيور بالتعاون مع الخبرة البولندية في هذا المجال لدراسة الطيور منذ عام 2003 وحتى الآن.

الأمير تاكامادو

تشير المهندسة رحمة شعبان، الباحثة البيئية في سالوجا وغزال، إلى أن الأمير الياباني الراحل “تاكامادو” كان عاشقا لرصد الطيور في المحمية وزارها لأكثر من مرة خلال السنوات الماضية، وعقب وفاته أنشأت زوجته متحفا لعرض التنوع الحيوي الذي تضمه المحمية وجار استكماله وتجهيزه حاليا من قبل الحكومة المصرية لكي تعرض النباتات والحشرات وصور الطيور.

وتقول إن محمية سالوجا وغزال مفتوحة للزيارة بواسطة تصاريح يتم استخراجها مسبقا من إدارة المحميات الطبيعية، ومن مميزاتها أيضا أنه مع زيادة منسوب النيل خلال الفترة من شهر مايو حتى أغسطس، تتكون المياه في إحدى بقاع المحمية وتكون بمثابة حماما طبيعيا للسباحة يفتح للجمهور ثلاث مرات أسبوعيا، بحيث تحجز أسرة واحدة هذا الحمام طوال اليوم بالمجان وبدون أي مقابل.

وتضيف شعبان أن المحمية تستقبل الرحلات والزيارات المدرسية طوال العام الدراسي، كما تعقد العديد من الندوات داخل المحمية لتعريف الطلاب بمميزات وروعة “سالوجا وغزال” في مكان مخصص لهذه اللقاءات، كما تنظم العديد من الجامعات المصرية تدريباتها الصيفية داخل محمية سالوجا وغزال خاصة لطلاب كليات العلوم والجغرافيا نظرا لأن المكان ذو طبيعة خلابة ويحتوي على مناظر طبيعية رائعة لا توجد في مكان آخر.

الوسوم