يغيب العلم بشكل شبه تام عن صحافتنا المطبوعة، وعلى الرغم من انتشار الصحافة المتخصصة في الرياضة والفنون والحوادث، يكاد لا يوجد في عالمنا العربي ما يسمى الصحافة العلمية.

ومع أن بعض الصحف تخصص صفحات للعلوم والتكنولوجيا، إلا أنها أقرب ما تكون لصفحات إعلانية مدفوعة الأجر، تمولها الحكومات أو الشركات، ومن ثم لا تعرض- غالبا- سوى الأخبار الغريبة والعجيبة فقط، وتتبنى دائما وجهة نظر الحكومات، التي ترى أن كل شيء على ما يرام، وتكاد لا توجد محطات فضائية عربية تعنى بالعلوم، باستثناء محطة “ناشيونال جيوغرافيك أبو ظبى”!!

ربما كان ذلك انعكاسا لمجتمعاتنا العربية، التي تتراجع فيها مكانة العلم لصالح الخرافات التراثية، فثقافتنا العربية – تاريخيا- ثقافة شفاهية، ثقافة الشعر والقصص والمقامات والخطابة، وتقف – للأسف– على قدم واحدة، وترى بعين واحدة، هي الأدب.

ثقافة لا تحتفى بالعلم، وتعيش على اجترار حكايات وأمجاد الأسلاف، ثقافة يسودها اعتقاد بأن الماضي كان جميلا ومكتملا، تحتفى بالقديم ولا تعنى بما يصنع المستقبل، ولا تقترب من العلم إلا في إطار الغرائب والعجائب أو ما يسمى الإعجاز العلمي، في حين أن العلم لا يقوم مطلقا على المعجزات.

إن ثقافتنا العربية السائدة تحرم الفنون، إلا فيما ندر، وترى العلم – في أفضل الأحوال- مباحا، وليس واجبا، وتستبعد النساء، نصف المجتمع، من كافة مجالاتها، وترى الإبداع – حصرا- في الأدب، وعملا ذكوريا بامتياز، فهل نتجاوز إن وصفناها بأنها ثقافة عوراء، أو عرجاء، أو اعتبرناها ثقافة المهزومين؟

ومع تقديرنا الكامل، لمكانة الأدب في حياة الشعوب، إلا أنه لا يمكن لثقافة تدعى المعاصرة، أن تتنكر للفنون والعلوم، إذا أرادت ان تكسب المستقبل.

انهزم مشروع التنوير في بلادنا مؤقتا، لا مفر من الاعتراف بذلك، ودراسة أسبابه، والتنوير الذى أعنيه غير التحديث، فقد يكون المجتمع حديثا، بمعنى أن يستخدم كل أدوات العصر من مظاهر الحداثة، كالطائرات والانترنت وغيرهما، لكنه لا يزال يحتفظ بثقافة القرون الوسطى، تكمن روح المحافظة في أعماقه، وينكر دوران الأرض والوصول إلى القمر والهندسة الوراثية، في الوقت الذى لا يتورع فيه عن استخدام منجزات العلوم الحديثة دون خجل.

وعلى الرغم من احتلال العلوم لمساحات أوسع نسبيا في الفضاء الإلكتروني، إلا أن أغلب هذه الصفحات والمواقع، تقوم على جهود فردية تطوعية، لا يمكن أن تضمن لها الاستمرار والتجديد، ولذلك تبدو كما لو كانت، خدشا بسيطا على جسد مترهل ومعتل.

لخص الشاعر الراحل “نزار قباني” حالنا في كلمات دالة ومؤلمة، فقال: خلاصة القضية …توجز في عبارة…قد لبسنا قشرة الحضارة…والروح جاهلية”.

إن مجتمعاتنا العربية في حاجة قصوى للعلم، خصوصا العلوم الطبيعية، التي تبتعد بطبيعتها، عن أن تكون أيديولوجيا لتبرير الاوضاع السائدة، وفى نفس الوقت تحتاج إلى صحافة علمية حقيقة، وليس مجرد الإعلانات والأخبار الغريبة، إذا كنا جادين في صناعة مستقبل أفضل وأكثر عدلا وإنسانية.

قبل سنوات، كان الصحفيون هم من يصفون لنا مباريات الكرة ويعلقون عليها، ومع انتشار المحطات الفضائية، بدأ اللاعبون السابقون ينافسون الصحفيين في ذلك، ويحتلون الشاشات لساعات طويلة، ليشرحوا لنا – بحماس عجيب- ما رأيناه للتو!

فهل يبدو العلم صعبا؟ وهل تفتقر القضايا العلمية للإثارة والتشويق الموجود في مباريات الكرة؟!

لا شك، إن عرض ومناقشة القضايا العلمية يحتاج إلى قدر من التخصص والتدريب، حتى يمكن توصيل المعرفة العلمية إلى أصحابها، الجمهور غير المتخصص، وطالما كانت الصحف تخصص صحفيين لمتابعة الرياضة والفنون والاقتصاد، فلماذا لا تهتم – بالقدر نفسه- بإعداد الصحفي المتخصص في العلوم؟

لا يمكن أن نكسب معارك المستقبل بأسلحة من الماضي..

هذا درس التاريخ.