الروائي خالد إسماعيل: الدراما التليفزيونية تتاجر بالصعيد

الروائي خالد إسماعيل: الدراما التليفزيونية تتاجر بالصعيد الروائي خالد إسماعيل

كثيرة هي الأعمال التليفزيونية التي تدور أحداثها في عالم الصعيد، إقليم مصر الجنوبي المغلف بالأساطير، لكن هل تقدم هذه الأعمال صورة حقيقية له، خاصة أنها تنتج بعيدًا عنه في القاهرة، التي تبعد عنه مئات الكيلومترات؟
في هذا الحوار نسعى للحصول على إجابة لهذا السؤال وغيره، من خلال الروائي الصعيدي خالد إسماعيل، الذي تدور معظم أحداث رواياته داخل صعيد مختلف عن هذا الذي تقدمه لنا الدراما التليفزيونية.

ما هو سبب الإقبال على إنتاج مسلسلات تيمة الدراما الصعيدية؟

السوق والذوق المصنوع منذ ظهورالتليفزيون المصري في العام 1960، والسوق مقصود به أن المشاهد المصاب بالملل يبحث عن المثيروالجديد، واستطاع المنتجون تقديم حالة “طرافة وإثارة” جعلت أبناء الأقاليم المصرية الأخرى ـ الدلتا مثلًاـ يقبلون على مشاهدة هذا العالم الصعيدي المثير، ولأنهم لا يعرفون الكثير عن الحياة في هذا الإقليم الغامض بالنسبة لهم، فهم يصدقون كل ما يشاهدونه.

وهل تقدم هذه المسلسلات صورة واضحة للصعيد؟

لا، لأن الأزمة فى مصرتكمن في “المركزية”، فكل شىء موجود في العاصمة، والأقاليم الأخرى مجرد “كومبارسات”، فلا توجد معاهد فنون مسرحية، ولا فرق تمثيلية في غيرالعاصمة، وبالتالي لا يوجد لدينا ممثلون يجيدون نطق اللهجة الصعيدية بصورة جيدة، وتعدد مستويات الحياة في الصعيد والاختلافات بين القرية والأخرى، والمدينة والأخرى، تجعل من تقديم عمل يعبرعن الصعيد كله أمرًا مستحيلًا، فالصعيد ليس كتلة واحدة، بل هو عدة مستويات، ومناطق لها خصوصيات ثقافية تظهرفي الزي، واللهجة، والطعام، والعادات الخاصة بالموت والميلاد والزواج.

هناك بعض الأعمال حاولت تقديم بعض مناطق الصعيد، مثلما فعل الراحل محمد صفاء عامر، في عدّة أعمال أشهرها مسلسل ذئاب الجبل، حاول أن يقدم الصعيد على أنه حياة قبيلة “هوارة” الموجودة في قنا، فلم يرض به “الهوارة” ولم يصدقه بقية أهل الصعيد.

وهل يتوجب على الأعمال الدرامية تقديم صورة حقيقية لما تتناوله؟

فن التليفزيون عمومًا، يقوم على “الطبيعية” أي مطابقة الواقع، والدراما التليفزيونية عليها مراعاة شروط الواقع من دون تهويل أو مبالغة، وكما قلت هناك بعض الأعمال حاولت تقديم الحياة فى بعض مناطق الصعيد مثل “الليل وآخره” للكاتب محمد جلال عبدالقوي، وكانت أحداث المسلسل تدور في سوهاج، و “ورد النيل” للسيناريست سعد القليعي، عن رواية “النمل الأبيض” للروائى الكبير عبد الوهاب الأسواني، وكانت أحداثه تدور في أسوان في المنطقة التي يكثر فيها السكان من أصول عربية.

ما هو الشئ الذي تبحث عنه كلما شاهدت مسلسلًا عن الصعيد ولم تجده؟

لم أعد أشاهد دراما الصعيد التى تقدم في الوقت الحالي لأنها أعمال ساذجة وتخلو من عناصرالجذب، والممثلون والكتاب المشاركون فيها، يكتبونها للمستهلك أو المشاهد غيرالمصري الموجود في الدول العربية الشقيقة، وسذاجة وعي الكتاب -كتاب السيناريو- وعدم دراية الممثلين بطريقة نطق اللهجات الصعيدية، والفقرالإنتاجي الذي يجعل الأحداث تدور في مكان مغلق توفيرًا للنفقات، كل هذا جعلني أنصرف عن هذا اللون الفني الذي دمره تجار الدراما.

ما هو أفضل مسلسل كُتب عن الصعيد من وجهة نظرك على مدار تاريخ الدراما المصرية، ومن أفضل كاتب؟

لا يوجد مسلسل واحد يستطيع التعبير عن الصعيد، لكن هناك أفلام سينمائية نجحت في تقديم حياة بعض مناطق الصعيد، مثل فيلم “البوسطجي” للمخرج حسين كمال، وسيناريو صبري موسى، عن قصة للكاتب يحيى حقي، وفيلم “أغنية الموت”، السيناريو للشاعرالراحل عبدالرحمن الأبنودي، وبطولة فاتن حمامة وعبدالعزيز مخيون، وقليلة هي الأعمال التي حاولت تقديم عوالم الصعيد بصورة مقنعة صادقة.

إذا كان الصعيد الذي تقدمه هذه المسلسلات مغايرًا للحقيقة، فما هو الصعيد الذي تعرفه من خلال تجربتك الشخصية، وكتاباتك؟

ـ الصعيد الذي أعرفه، إقليم معقد، تتجاور فيه الثقافات، وهو أقدم أرض سكنها الإنسان في مصر، وفيه مفاتيح مهمة لفهم الشخصية المصرية، والثقافة الوطنية المصرية، ويحتاج هذا الإقليم إلى معرفة عميقة بحكاياته وأسراره حتى يمكن تقديمه دراميًا وسينمائيًا وأدبيًا.

الصعيد عوالم غنية لا يستطيع كاتب واحد ولا سيناريست واحد ولا مخرج واحد الزعم بأنه قدمه كاملًا، فكل منّا يكتب صعيده الخاص الذي سكن وجدانه، وأنا صعيدي الذي أكتبه وأعرفه هو هو “سوهاج” ولا أستطيع الزعم أنني أعرف الصعيد كله رغم خبرتي به وحياتي فيه، ولكن أستطيع القول إن الصعيد الذي تقدمه الدراما التليفزيونية، هو صعيد تجاري يحقق المكاسب المالية للسيناريست والمخرج والنجوم المشاركة في العمل، على حساب واقع وحياة أهالي الصعيد.

خالد إسماعيل: صحفي وروائي مصري، له 8 روايات ومجموعتان قصصيتان، تدور معظم أعماله بين عالم الصعيد، مسقط رأسه في سوهاج، والحياة في القاهرة بعيون قادم من الصعيد لم يهجر ذكرياته وعاداته، والوسط الصحفي والثقافي الذي يعرف أسرارهما جيدًا، وأبدع في كشف خفاياهما من خلال رواياته خاصة روايته زهرة البستان.

الوسوم