حي المسابك بالإسكندرية.. مواقد الموت التي تصهر رئات أهالي اللبان

 

على مقربة من أول شارع الفراهدة الكائن بحي اللبان، وعلى أريكة مصنوعة من الطوب والأسمنت، يجلس الحاج أحمد عبده البالغ من العمر 65 عاما، يرتدي أفرولا رمادي اللون، هو ثياب عمله، ممسكا بيده سيجارة ينفخ مع دخانها عذابات نفسه ومشقة العمل، بعد أن حصل على 15 دقيقة للراحة، على أن يعود بعدها لمزاولة عمله بسباكة المعادن.

يحكى لنا الحاج أحمد أنه يعمل بورشة كبيرة لسباكة المعادن بحي اللبان منذ نعومة أظفاره وحتى الآن، في رحلة استمرت 55 عاما.

ويوضح أن مهنة المسابك عبارة عن صهر المعادن المختلفة مثل الزهر، والألومنيوم، والنيكل، والحديد، وعن طريق صهرهم يحصل على المواد الخام التي يعمل بها في إنتاج مواسير الصرف الصحي والأدوات الصحية والماكينات وغيرها.

وبالإسكندرية 240 مسبكا مرخصا لصناعة المعادن، من بينهم 141 مسبكا داخل حي اللبان المأهول بالسكان، حيث تمارس تلك المسابك نشاطا يقول خبراء إنه يلوث البيئة، إثر عملية صهر وصب المعادن التي ينتج عنها كم كبير من الأدخنة المحملة بالحديد، والكروم، والنيكل، والمنجنيز، وغيرها من العناصر التي تتحول بفعل الحرارة العالية إلى الحالة الغازية، وتتهم بالتسبب في إصابة المواطنين بمرض سرطان الرئة والأمراض الصدرية الخطيرة.

صهر المعادن

وحينما سألناه عن كيفية صهر المعادن، يوضح الحاج أحمد، أن عملية صهر المعادن تتم عبر وضعها في بواتق مصنوعة من الألومنيوم، وتعمل بنوع من الزيت الرديء الذي يخرج من زيوت السيارات عبر مواقد نارية شديدة الحرارة يوضع فيها المعدن، ثم ترفع البوتقة بعد انصهارها من على النار بواسطة الشيالة لتصب في الفراغ للخروج بالشكل النهائي الذي يشكل بعد ذلك قطعا إنتاجية.

ويشرح الحاج أحمد، أنه بعد صهر المعادن يصنع العمال أشكالا عديدة منها، مثل مواسير الصرف الصحي الحديد، والزهر، وماكينات التقطيع، والزخارف، والمعدات الحديدية، وهذه هي فكرة صهر المعادن.

مهددة بالانقراض

إسلام مصطفى، سباك معادن بورشة للسبك بحي الفراهدة السكني، يقول إن مهنته باتت مهددة بالانقراض لعوامل عديدة منها أفران الكهرباء الحديثة التي أصبحت تنتج مواصير الصرف الصحي البلاستيكية، وأثرت على أثرت على عملهم داخل المسابك اليدوية، حيث يعملون في الزهر من خلال أفران الفحم القديمة.

ويضيف مصطفى، أن مواسير الصرف التي تصنعها المسابك من الزهر غالية الثمن، أما مواسير المصانع المصنوعة من البلاستيك فرخيصة، لذلك يثبل عليها المواطنون، حتى قارب العاملون على في هذه المهنة على الاندثار، مشيرا إلى أن آخر جيل في هذه المهنة هو جيله الذي يعمل منذ قرابة 30 عاما.

ويوافقه في الرأي محمود غازي، سباك معادن، الذي يقول إن المهنة أصبحت غير مجزية بل أنهم يعملون نحو 3 أيام في الأسبوع ويومية العامل تتراوح ما بين 80 إلى 100 جنيه، حسب حجم وموسم العمل وهو ما لا يكفي نفقات أسرهم، ويوضح أن أغلب العمال منهم من بدل مهنته بمهن أخرى أو لجأ للعمل في المصانع، وآخرون أصبحوا يعملون في مهن ثانية لكي يحصلوا على يومية مرتفعة تمكنهم من العيش.

أضرار بيئية

كانت وزارة البيئة قد أصدرت تقريرا في عام 2010، أعلنت خلاله نقل مشروع المسابك بالثغر إلى خارج الكتلة السكنية في منطقة البتروكيماويات بالنهضة في حي العامرية غربي المحافظة.

وأشار التقرير مستندا إلى الإحصاءات التي أعدها جهاز شؤون البيئة بالمحافظة، إلى أنه يوجد 240 مسبكا بالمحافظة تتركز في منطقة اللبان وأبي الدرداء بحي الجمرك، ومناطق الفراهدة والعطارين، وتشمل مسابك النحاس والألومونيوم والزهر، وتلحق أضرارا صحية خطيرة بالمواطنين القاطنين في الكتلة السكنية المجاورة لهم.

ويضيف الدكتور محمد منصور، مسؤول جمعية حماية البيئة بالإسكندرية، أنه حينما جاء وزير البيئة السابق ماجد جورج، إلى الإسكندرية، قال إن جهاز شؤون البيئة خصص 28 فدانا بمنطقة البتروكيماويات، لإقامة مجمع المسابك الجديد بإجمالي 240 مسبكا، بموافقة وزارة البيئة على دراسة تقييم الأثر البيئي للمشروع.

ويضيف منصور، أنه تم تنفيذ المرحلة الأولى من المشروع لـ 128 مسبكا بواقع 8 وحدات، و16 مسبكا لكل وحدة بتكلفة 21 مليون جنيه للمرحلة الأولى، وحتى الآن مازالت المسابك تعمل وسط السكان في أبي الدراء، ولم يتم نقلها ولا تنفيذ أية قرارات بشأن الضرر البيئي الذي يتعرض له السكان المجاورون لتلك الأدخنة بشكل يومي يعرضهم لأضرار صحية، ولا يعرف منصور سببا لتوقف النقل.

حبر على ورق

يقول الحاج مصطفى حسن، صاحب مسبك نحاس بحي الفراهدة، إن المسؤولين بوزارة البيئة بالإسكندرية زاروهم عدة مرات منذ سنوات، وقالوا لهم إنه سيتم نقلهم إلى مجمع مسابك جديد بمنطقة البتروكيماويات لكون عملهم يتصاعد منه الأدخنة والأبخرة التي تسبب الأمراض للسكان المجاورين لهم، وأن الوزارة طالبتهم بدفع 250 ألف جنيه ثمنا للمسبك الجديد هناك.

ويضيف حسن “المبلغ المطلوب كبير جدا وأنا لو معي هذا المبلغ كان زماني قاعد في البيت مش محتاج شغل”، واصفا القرار بأنه كان مجرد “حبر على ورق”.

ويوافقه في الرأي جميل سعيد، صاحب مسبك زهر، الذي يتهم وزارة البيئة بمحاولة خلق المشكلات بأي طريقة لكي توضح للمواطنين أنها تعمل من أجل مصالحهم، ويضيف “نحن نعمل في منطقة الفراهدة منذ 50 عاما ولم يأتينا ساكن أو جار لنا يشكو من أن الأبخرة تضايقه”.

صرخات الأهالي

بصوت تخنقه الكحة يقول خميس عبد العال، 55 عاما، أحد سكان حي اللبان المتضررين من ورش سباكة المعادن، إنه يقيم بالحي منذ 40 عاما، ومنذ أن أتى إلى الحي وهو يستنشق ويشم رائحة الأدخنة المنبعثة من جراء حرق الأفران وصهر المعادن، مؤكدا أن تلك الروائح المنبعثة أصابته بحالة ربو حاد منذ 5 سنوات، ثم تطورت حالته وازدادت سوءً وتدهورا.

ويضيف عبد العال، أنه أصبح يعاني من سرطان الرئة ويعاني الأمرين ما بين الزحف إلى المستشفيات الحكومية بحثا عن العلاج لكونه عامل بسيط لا يقدر على تكاليف العلاج المرتفعة.

ويتهم عبد العال، أصحاب المسابك ووزارة البيئة بالتسبب في مرضه، موضحا أن الأولى تسببت في مرضه من جراء الأدخنة المنبعثة منها، التي جعلته يغلق أبواب شقته عليه صيفا وشتاءً خوفا من أن يمرض أحد آخر من أسرته ولا يتمكن من علاجه، والثانية لم تتحرك لإنقاذ المواطنين الغلابة من وحش الأدخنة التي تقتلهم.

أما حامد صبحي، أحد الأهالي، فيقول إن السكان أرسلوا نحو 6 آلاف شكوى إلى وزارة البيئة وجهاز شؤون البيئة بالإسكندرية، واستجابوا وجاءوا للرصد على الطبيعة وقالوا إن المسابك سيتم نقلها، لكن حتى الآن لم يتم نقل أي شيء، ومازالت المسابك تعمل والأهالي تختنق موتا، مطالبا المسؤولين بالتحرك لإنقاذهم من المرض المحقق.

مخاطر صحية

يقول الدكتور حازم محمود، طبيب الأمراض الصدرية بالمستشفى الأميري، تخصص أمراض صدرية، إن هناك مرضى كثيرون يأتون إليه للعلاج، وبعد فحصهم يكتشف أنهم مصابون بسرطان الرئة، وأمراض خطيرة في الجهاز التنفسي، وحينما يسألهم كانوا يقولون إنهم يسكنون في أماكن مجاورة لورش معادن ومسابك ومصانع للأسمنت.

ويضيف محمود أنه يعالج سنويا حوالي 100 مصاب بسرطان الرئة نتيجة استنشاقهم لملوثات الهواء من مصانع ومسابك وورش، فضلا عن المصابين بالأزمات التنفسية من جراء تلك الملوثات وهم بالمئات ويأتون يوميا للعلاج.

ويقول الطبيب أنه يصعب الحصول على إحصائية دقيقة بأعداد المرضى، لكونه مرض يكتشف بعد فترات وبعد فحوصات دقيقة لمعرفة أسبابه، مؤكدا أن منظمة الصحة العالمية قد أصدرت تقريرا منذ عام 2012 قالت فيه إن هناك 8 ملايين إنسان في العالم يموتون سنويا إثر إصابتهم بمرض سرطان الرئة بسبب ملوثات الهواء، من بينهم 1.37 في الوطن العربي.

ويوضح الدكتور محمد علي، الطبيب بمستشفى الأمراض الصدرية بالإسكندرية، أن هذه المسابك هي خطر داهم على صحة الإنسان، لأنها تنبعث منها مواد كيميائية خطرة، مشيرا إلى أن هذه الغازات يمتصها جلد العامل وعينه.

ويضيف علي، أن هناك عوامل تساعد على زيادة امتصاص تلك المواد داخل الجسم، منها ارتفاع درجة الحرارة والأذيات الجلدية، ثم يأتي البلع حيث تدخل المواد الكيميائية إلى الجهاز الهضمي، موضحا أن تلك الأدخنة من الممكن أن تصيب المتعرض لها بسرطان الرئة أو الربو الشعبي، والأزمات التنفسية الحادة والمزمنة.

البيئة تنتظر الإجراءات

مسؤول جهاز شؤون البيئة بالإسكندرية الدكتورة هدى مصطفى، تقر بأن منطقة المسابك بمنطقة اللبان تنبعث منها مواد خطرة وشديدة السمية، وهي من المسببات للأمراض السرطانية.

لكن مصطفى توضح أن دور وزارة البيئة هو رصد الملوثات وتحليلها ومعرفة نسبة التركيزات بها، ومحاولة تقليل التلوث الناتج عنها في حالة زيادته عن الحد المسموح به طبقا  لقانون البيئة.

ويلزم قانون حماية البيئة في مادته الـ43، صاحب المنشأة باتخاذ الاحتياطات والتدابير اللازمة لعدم تسرب أو انبعاث ملوثات الهواء داخل مكان العمل إلا في الحدود المسموح بها، التي تحددها اللائحة التنفيذية لهذا القانون سواء كانت ناتجة عن طبيعة ممارسة المنشأة لنشاطها أو عن خلل في الأجهزة.

كما أنه لا بد على صاحب المنشأة أن يوفر سبل الحماية اللازمة للعاملين تنفيذا لشروط السلامة والصحة المهنية، بما في ذلك اختيار الآلات والمعدات، والمواد وأنواع الوقود المناسبة، على أن يؤخذ في الاعتبار مدة التعرض لهذه الملوثات، وعليه أن يكفل ضمان التهوية الكافية وتركيب المداخن وغيرها من وسائل تنقية الهواء.

ويعاقب القانون المخالفين من أصحاب المنشآت بالغرامة التي لا تقل عن ألف جنيه ولا تزيد على عشرين ألف جنيه، لكل من خالف المواد 35 و37 و40 و43 و44 و45 من هذا القانون.

وتقول مسؤول البيئة، إن وزير البيئة السابق ماجد جورج، كان قد أعلن أنه سيتم نقل المسابك، وبالفعل تم إنشاء المرحلة الأولى من مجمع المسابك بمنطقة البتروكيماويات، ولكن هناك العديد من الإجراءات التي يجب أن تكتمل لكي يتم التنفيذ والنقل الكامل للمسابك خلال الفترة القادمة.

وتضيف مصطفى، أن الإجراءات اللازمة ليس الهدف منها فقط نقل أشياء مادية من موقع لآخر، أو إدخال عائد للمحليات، لكن أيضا بهدف إنشاء كيانات صناعية متطورة، وتحويل العديد من الورش العائلية الصغيرة إلى مصانع يتاح بها العديد من فرص العمل.

وتوضح أن ذلك يستغرق إجراءات عديدة وموافقات لازمة من المسؤولين بالحكومة لبدء العمل، لذلك الإجراءات تنحصر في القرارات التي تصدر من المسؤولين بالحكومة حتى يبدأ التنفيذ.

وعن عدم توافر تلك الإجراءات حاليا، ترجع مصطفى السبب في ذلك إلى أن المشروع ضخم ويتطلب الميزانيات الكبيرة التي يجب أن تخصص وهي غير متوافرة حاليا، لذلك عامل الوقت والمال هما العنصران المتحكمان في الموضوع.

الوسوم