وأخيرًا .. قرر ذلك الرجل الوطني أن يخرج من قوقعته التي اعتكف فيها منذ أن حطّت أقدامه “مصر” قبل أكثر من (4) سنوات انتظر فيها عودة كان يراها قريبة، ليعيش مع عائلته فرحة العيد، رغم قناعة مسبقة لديه أن ما فقده هناك في “سورية” لن يعوضه شيء في هذه “الدنيا” حتى لو كان في “أم الدنيا”!!.

أرادها بنكهة سورية خالصة، في ملبسه ومأكله ومشربه، وحتى في مراسم احتفاله، رغم إدراكه أن الحال قد تبدل تمامًا، فالأقرباء تشتتوا والأصحاب تفرقوا، أمّا من في القبور هناك فزيارتهم أضحت بعيدة المنال، والعثور على “الآس” لمن كان منزله الأخير في هذه الأرض الغريبة بدت ضربًا من الخيال!!.

نزل الشارع ليلة اليوم الأخير من الشهر الفضيل في مدينة أضحت عاصمة للسوريين في “مصر” مختارًا أن تكون البداية مع محلات الألبسة التي ستستهلك القسم الأكبر من أموال محدودة جمعها بصعوبة منذ أشهر بعيدة لأجل هذه اللحظة التاريخية!!.

كان هدفه “الماركة السورية” التي يشهد لها أهل الأرض بأنها “فنية متقنة”، فلم يحتج الوصول إليه وقتاً طويلاً بعد ذلك الغزو الذي قامت به المصانع السورية على الأرض المصرية، وأسواقها التي شهدت تنافساً محموماً بين البضائع السورية والتركية بل وحتى الأوروبية مع غياب مستغرب لنظيرتها المصرية!!.

بعد فصال مرن لم يستمر طويلاً ومع ابتسامة معهودة من البائع السوري المحنك دفع صاحبنا المعلوم، وخرج سعيداً بحصوله على ما أراد وحسب ما شاء!!.

قرر أن يأخذ قسطاً من الراحة قبل أن يدخل النزال التالي في بحثه عن حلويات بلده الشرقية فاختار مطعماً سورياً أنيقاً ناضل فيه بشراسة من أجل الحصول على “طاولة وبضعة كراسي” بعد أن امتلأ عن آخره بزبائن أغلبهم كانوا من أصحاب الأرض!!.

تناول ما أحب من طعام مع عائلته دون اكتراث لقيمة الفاتورة التي سيدفعها، فهو يدرك مسبقاً أن المطاعم السورية قد نجحت وبشكل باهر في تقديم كل ما هو لذيذ ونظيف ورخيص، مما جعلها قبلة للمصريين قبل السوريين متسائلاً في الوقت ذاته عن السبب في ذلك، بعد أن نسقه في احتمالين:

أأنهكت المطاعم المحلية معدة المصريين وجيوبهم، أم هي الرغبة في التغيير فقط؟!.

أنهى الرجل “آخر رشفة شاي” وانطلق نحو محطته الأخيرة – الحلواني السوري – بعد أن حدد خياره بالأنواع الرئيسة الشهيرة في مطبخ الحلويات السورية (عجوة – برازق – غريبة – معمول) ليختار المحل الأقل زحاماً سائلاً الباعة فيه عن الأسعار فعاجله أحدهم بقطعة من كل نوع نالت دون تردد إجماع العائلة قبل أن يأتيهم الجواب صادماً بتسعيرة “المعمول” التي فاقت كل التوقعات وخيبت كل الآمال!!.

نظر الرجل إلى محفظته فأدرك أنه لن يستطيع أن يغامر كثيراً بما بقي فيها، فأيام العيد “ثلاثة”، والعيدية واجبة لأم العيال وأولادها، أما المراجيح المفقودة فبدائلها ألعاب كهربائية مكلِفة، وهذا كله يعني أن التهور في الصرف ولو في بضعة جنيهات سيجعل موقفه حرجاً ومؤلماً!!.

بعد التشاور.. قرر استبدال المعمول السوري بالكحك المصري!!.

عاد إلى منزله محملاً بالأغراض والأسى بعد أن شعر بانهزامه في اللحظة الأخيرة من معركة الحياة التي أراد لها أن تنتصر بعيد سوري يعيد له ذكرياته التائهة في مكان ما من وطنه!!.

عاد وقلبه يبكي على ما فعلته آلة الحرب في أهله!!.

آلة الحرب التي أحرقت “الفستق الحلبي” فحرمته وأطفاله من لذة طعمه الفريد!!.

آلة الحرب التي أحرقت “الأرض” التي أنبتته .. وصاحب “الأرض” الذي زرعه!!.

آلة الحرب التي قد تحرق بلهيبها المستعر “الأرض” كلها .. يوماً ما قد لا يكون بعيدا!!.