حوار| الدكتور كمال مغيث: الدولة أدارت ظهرها للتعليم.. واحتجاجات الطلاب السبيل الوحيد للتغيير

حوار| الدكتور كمال مغيث: الدولة أدارت ظهرها للتعليم.. واحتجاجات الطلاب السبيل الوحيد للتغيير كمال مغيث

يرى الدكتور كمال مغيث، الخبير والباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية، أن الدولة أدارات ظهرها للتعليم منذ عصر مبارك، وحتى الآن، وأن الساسة عديمي الكفاءة أوجدوا تعليمًا رخيصًا وليس مجانيًا، وأن السبيل الوحيد لتطوير التعليم يتمثّل في الحركات الاحتجاجية التي يتزعمها الشباب والمعلمين أنفسهم، في ظلّ دولة لا تقدّر قيمة التعليم ولا تعرف أنّه الطريق الوحيد للتنمية، كما يصف لنا روشتة علاج عاجل في 10 خطوات

متى تحولت الثانوية العامة إلى كابوس؟
مع انهيار المشروع الوطني الاجتماعي التنموي الذي بدا في عهد عبدالناصر، هذا المشروع كان يستوعب كل الفئات الاجتماعية، وكان يضمن لأي خريج الحصول على فرصة عمل كريم، أنا أتذكر زملاء لي التحقوا بكليات نطلق عليها الآن “قمة” بمجاميع عادية، لكن مع النصف الثاني من السبعينيات بدأت الدولة تقلل من إنفاقها على التعليم، وظهرت فكرة المدارس الخاصة، ورأينا لأول مرّة مدارس تعمل لفترتين وثلاث، الأمر الذي شجع على ظهور المدارس الخاصة، إضافة إلى الأموال القادمة من الخليج بعد ثورة النفط.
ومع غياب فكرة التنمية وإهمال الصناعة والزراعة، بدأت الثانوية العامة تتحول لكابوس بالفعل، لأن الطالب الذي سيفشل في الحصول على مجموع كبير لن يتمكن من الالتحاق بكلية محترمة.
وفي العام 1988 سمح فتحي سرور بدخول الطلبة المصريين للمدارس القنصلية، وأعقب ذلك دخول المدارس الدولية التي جذبت أولاد الأثرياء، لأنها تتميز بدرجة عالية من الكفاءة خاصة فيما يتعلق بتعليم اللغات الأجنبية، واتباع نظم تعليم حديث ومعقولة، لكن هذا النوع من التعليم ظل قاصرًا على أبناء الأثرياء فقط.

ماذا تقول لمن يبرر تدهور التعليم الحكومي بالزيادة السكانية والاقتصاد الضعيف؟

هذا التطور السكاني يجري منذ أوائل القرن، ولم نكن نشهد أي مشكلات متعلقة به، وكان عدد المصريين حوالي 22 مليونًا مع ثورة يوليو 1952، ووصل عددنا إلى 38 مليونًا مع نهاية حقبة عبد الناصر، وكانت الأوضاع التعليمية مستقرة، والنظم السياسية المحترمة تعتبر التعليم استثمارًا ولا ترى في الإنفاق عليه نوعًا من الرفاهية.

وكيف تقيم الادعاء بأن مجانية التعليم هي السبب في كل مشكلاته؟
هذه رؤية طبقية قاصرة عفا عليها الزمن، التعليم مجاني في كل دول العالم المحترمة، التعليم استثمار وكل ما تنفقه الدولة في هذا القطاع لا تخسره، بشرط وجود رؤية وخطة استراتيجية للمنظومة التعليمية،

هل مخرجات التعليم في مصر مناسبة مع الاقتصاد؟
لا يوجد لدينا اقتصاد قوي من الأساس لتتناسب مخرجات التعليم معه، لأن نظام مبارك كان نظامًا لصوصيًا
يعتمد على الموارد الباردة للثروة، مثل الاتجار في المواد الخام، كالبترول والذهب، والمعادن، والرخام، والمضاربة على أسعار الأراضي، والاستيراد، وإيرادات قناة السويس، وتحويلات المصريين في الخارج، هذه المصادر التي حرص على تعظيمها، لأنها لا تحتاج لجهد ولا تعب، ولا مسؤولية، ويسهل الاختلاس منها وسرقتها.

بالرغم من كل عيوب نظام مبارك لكننا لم نشهد كوارث الثانوية العامة 2016، فما تفسيرك؟
منحنى الفساد والإهمال الذي بدأ أيام مبارك بلغ ذروته أيام النظام الحالي، وهناك أكثر من دلالة للتسريب الذي شهدته الامتحانات الأخيرة،أولًا حان الوقت أن تدفع الدولة ثمن إهمالها للتعليم طوال هذه العقود، والذي كان من الممكن أن يوفر كثيرًا من الجهد، ثانيًا إننا أمام حركة احتجاج واسعة ضد نظام تعليم عشوائي بائس يستنزف طاقة وأعصاب وأموال الأسر منذ سنوات بعيدة، وثالثًا أننا أمام صراع بين عقليتين، عقلية خمسينيات وستينيات القرن الماضي، عقلية بيروقراطية ورقية تعتقد أن الأمور انضبطت ما دمنا ضبطنا الأرقام السرية والشمع الأحمر والمطبعة السرية، وعقلية أولادنا العقلية التي تتحداك وتخبرك بأنها تستطيع الدخول للكمبيوتر الخاص بك والذي تحتفظ به في دولابك وتتحكم به.

هل ما حدث هو جزء من صراع مصالح يهدف للإطاحة بالوزير الحالي؟
من المحتمل أن يكون الأمر كذلك، لكن اختزال كل ما حدث في كونه مؤامرة هو إجحاف كبير، المنظومة غير منضبطة برمتها حتى نقول أنها مؤامرة للإطاحة بالوزير.

هل يضغط أولياء الأمور على الدولة لتغض بصرها عن الغش والتسريب؟
الطرف الأقوى هو الأكثر مسؤولية، لأن الدولة إذا أرادت حسم الأمر لفعلت، وقد حكى لي أحد أصدقائي أنّه في العام 1958 جرى تسريب امتحان الكيمياء في إحدى اللجان، ورغم عدم وجود تطور على مستوى وسائل الاتصال مثل وقتنا الحالي، إلا أن الدولة أصرت على إعادة امتحانات الثانوية العامة في جميع المواد.

هل ما شهدناه في امتحانات الثانوية العامة هذا العام سيكون نهاية التعليم المجاني؟
لا طبعًا، لكن أود الإشارة إلي وجود فرق بين التعليم المجاني والتعليم الرخيص، عندما دعا طه حسين لمجانية التعليم لم يكن يدعو لتعليم رخيص، لكن “الساسة الفاشلين بتوعنا هما اللي فهموا إن التعليم المجاني هو التعليم الرخيص”، طه حسين كان يقصد أنه إذا كانت تكلفة تعليم الطالب المصري تعليمًا جيدًا ستتكلف 5 آلاف جنيه فعلى الدولة أن تتحمل هذه التكلفة كاملة، لكن الدولة ليست على استعداد لذلك، والنتيجة أن مصر تتذيل ترتيب قائمة الدول العربية والعالم في جودة التعليم.
زادت أجور المعلمين بعد ثورة يناير، فكيف تقيم هذه الزيادة؟
لا قيمة لهذه الزيادة، صحيح أن راتب المعلّم تحسن مقارنة بعصر مبارك الذي كان يمنحه 120 جنيهًا في بداية عمله، لكن ألف جنيه الآن أو أكثر لا قيمة لها في ظل وجود معدل تضخم عالٍ، وزيادة رهيبة في أسعار السلع والخدمات، المدرس سنة 1970 كان يحصل في بداية عمله على راتب يعادل 6 آلاف جنيه حاليًا.

كيف ساهمت إمبراطورية الدروس الخصوصية في عرقلة أي عملية للإصلاح؟
أنال لا أميل لهذا الادعاء، لأن الدروس الخصوصية متفاقمة في بعض المواد الصعبة فقط، وفي المدن الكبيرة، هناك مليون و400 ألف مدرس في التعليم العام والأزهري، و400 ألف أو 500 ألف إداري، ومليونا معلم بالمعاش، لدينا أكتر من مليون ونصف معلم خارج دائرة الدروس الخصوصية، لكنها إحدى الآثار الجانبية لفشل المنظومة برمتها.

هل التعليم هو سبيلنا الوحيد للخروج من مشكلاتنا الاقتصادية؟
زمان كنّا نتعلّم أن قيمة الدولة مرهونة بموقعها الجغرافي، والمواد الخام التي تملكها، والقوة البشرية الكبيرة ورأس المال، الآن العلم والتعليم هو مصدر القوة الوحيد، ولدينا أمثلة كثيرة لدول رائدة اقتصاديًا تعتمد على إنتاج البرمجيات والإلكترونيات الحديثة، مساحتها الجغرافية لا تقارن بأصغر محافظة مصرية.

ما هي الخطوات العاجلة لإنقاذ التعليم؟
1- مضاعفة ميزانية التعليم
2- راتب المدرس في بداية عمله 3000 بنظام تعاقد يجدد كل عامين، وليس تعيين دائم.
3- ممنوع على المدرس إعطاء درس خصوصي، أو المشاركة في أي عمل خاص ولو كان حتى الوقوف في محل تجاري يملكه والده.
4- الاستعانة بالنظم الأوروبية الحديثة في التعليم، والاستعانة بلجان تقييم محايدة.
5- الاستعانة بخبراء علم النفس لتقديم الدعم النفسي للمعلم وللطالب.
6- الاهتمام بالأنشطة
7- إدخال التكنولوجيا في العملية التعليمية بشكل جاد وحقيقي
8- صياغة فلسفة واضحة للتعليم ترتكز على المواطنة، والثقافة بالمعنى العصري، واستخدام المنهج العلمي وتطبيقاته على أرض الواقع.
9- إيجاد صيغة حديثة للتعليم الفني وتفعيله وتطويره ليتماشى مع النظم الحديثة في مجالات الصناعة.
10- استحداث هيئة قومية مسؤولة عن التأكد من نجاح وسلامة العملية التعليمية تكون مستقلة عن الوزير.

ما هو تقييمك للدور الحكومي في إصلاح التعليم؟
لا نية لدى الدولة لإصلاح منظومة التعليم، بدليل اتجاهها للإبقاء على المخصصات المالية للتعليم كما هي ورفضها للالتزام بما نص عليه الدستور، وكذلك صمتها عن كثير من الممارسات غير التربوية التي تحدث في المدارس، والتخبط والارتباك والعجز الذي تعاملت به مع فضيحة تسريب أسئلة امتحانات الثانوية العامة.
في بداية تولي الرئيس للحكم، شكّل لجنة استشارية لتطوير التعليم، لكن حتى الآن ليس لدينا أي إشارة بوجود دراسة جادة أو توصيات لتطوير التعليم، والأمل مرهون بالحركات الاحتجاجية الشبابية التي سيدعمها أولياء أمورهم، إضافة إلى المعلمين أنفسهم.

الوسوم