حكاية أول مايو لفؤاد حداد

حكاية أول مايو لفؤاد حداد أحد عمال التراحيل

تصوير- أحمد دريم

أنشدت يوم أول مايو 1963 فى سجن الواحات الخارجة

المطرقه ناحت على السندان

اتقسمت كتل الحديد قضبان

الرأسمالي بيملك الآله

الرأسمالي بيسجن الإنسان

الرأسمالي بيملك الآله

أغلال على استغلال على بطالة

يجعل حياتك يا فقير عالة

ويموّتك ويبيع لك الأكفان

فؤاد حداد

أول مايو

من الأساطير القديمه أن «أبو الهول» كان واقف على باب طيبة يسأل كل من يدخلها عن حيوان يمشي الصباح على أربعة والظهر على اتنين والعصر على تلاتة.

اللغز حيّر الألباب وماتت على الباب أمم من الرحالين وأهل العلم والحكماء.

دلوقتي الطفل في المدرسة يقدر يقول لك «الإنسان» بيمشى الصباح على أربعة يعنى بيحبي على إيديه ورجليه والظهر يعني الشباب تنفرد قامته والعصر لما تدركه الشيخوخة يعجّز ويتعكّز على رجلين من الصلصال ورجل من الخشب.

يعنى كلنا لازم نعجّز ونتعكّز ونفنى؟!

لكن لغز أبو الهول اللى يسرى معناه على كل عود إنسان وطير ونبات يعصى عليه التاريخ تعصى عليه الإنسانيه.

كانت بتحبي على أربعة ووقفت على اتنين.

لكن بدال الرجل التالتة اللي هي من صنعة الإنسان، صنع الإنسان رجلين وإيدين مالهاش عدد ولف كل الأرض، وصنع الإنسان أجنحة وطار وطال السماء، وصنع الإنسان تاريخه.

ونرجع نبص لورا، قبل الزراعة وقبل الرعي، للأول الأول، للظلام المطوّل، نلقى التاريخ في كل قفزه يحتاج لألف سنه.

ولما هلّ عصر الحضارة: السرعه زادت..  لكن من ميت سنة لميّة لما تقدر تتحقق من الخطوه وتجسها بالشبر، وفين لما تفهم إن الليالي كل مادا بتخف عتمتها وكل مادا بتتقدم وتتطور وتترقى، من جيل لجيل ومن عشر سنين لعشر سنين، قلت إيه، من سنة لسنة ومن يوم ليوم التاريخ عمال بيجري ولا جنس كاتب وشاعر إلا وبينهج وراه.

علشان كدا أنا عندى بيت من الشعر زي النور، محدوف عليّ مرة واحده أوله وآخره.

قال التاريخ أنا شعرى اِسْوَدّ

البيت دا قلته إزاي؟

البيت دا أنا قلته على جثمان شهيد.

يا أول مايو عيد الورد والعمال

مش كنت في مبدأك يوم الشهيد،

مش كنت ليل باكي،

محزون في طرحة أرملة

متعشى لقمة يتيم،

صبحت يوم الغضب، يوم الاحتجاج،

يوم العلم في الطريق،

صبحت يوم الكفاح وصبحت يوم النصر.

يا أول مايو عيد الورد والعمال مش صاحبك اللى كان اسمه العبد. اللي ماكانش له صوت ولا وطن.

العبد اللى قال عنه عنتر لا يكر، القن اللى رجله اتكتفت فى الأرض، قلنا النهاردا امتلكنا الأرض ولفينا نطاقها وخرجنا منه وانطلقنا في الفضاء.

قلنا النهاردا شعر التاريخ اسْوَدّ.

قلنا النهاردا اسمنا العامل وأول مادة في الدستور في أكتر من بلد بتقول أنا دولة العمال.

أبناء العمال النهاردا بيملكوا أعظم سلاحين في الدنيا: الدم والصواريخ، لكن بأمر السلام.

اتغير التاريخ واتغيرت الأيام وميدان عابدين صبح ميدان الجمهورية اللي رئيسها يقول: أنا العامل.

يا أول مايو عيد الورد والعمال أنا قبل ما احكي حكايتك فضفضت عن قلبي

أنا دلوقتي أحيي الشهداء واركع على قبورهم.

أنا فى أول مايو أبّ يقول: ريحة الرضعان أسامى الشهداء.

أنا في أول مايو شاعر باتولد وباقول: إحنا ولادكم، يا آباء شهداء إحنا ولادكم.

إحنا ولادكم

يا آباء شهداء إحنا ولادكم

ياما تزحف تحت الأرض جدور

علشان الفرع يشوف النور

ويحط عليه ويشيل عصفور

بيغنى ليالي استشهادكم

إحنا ولادكم

يا آباء شهداء إحنا ولادكم

بتغنى ونطوى ليالى البين

شرق وغرب فى عرض الجناحين

النار والمية اتجمعوا في عين

حتغرّق تحرق جلادكم

إحنا ولادكم

يا آباء شهداء إحنا ولادكم

ومشينا الليل ولا خفنا نتوه

وهدانا النور اللي بعتتوه

ولقينا الفجر اللي سبقتوه

حققنا الحلم اللي سعدكم

إحنا ولادكم

يا آباء شهداء إحنا ولادكم

الليل اخضرّ الفجر جديد

وقفتكم وقفه ويومكم عيد

وشبابنا يلف الإيد فى الإيد

عَبّاد الشمس وعبادكم

إحنا ولادكم

يا آباء شهداء إحنا ولادكم

يا آباء شهداء إحنا ولادكم وأيامنا زى البنت اللى أحلى من أمها، لكن أيامكم  الأم هى اللى ضفرت شعرها وشبكت فيها الورده الحمرا وباستها على الجبين.

أنا دلوقتى خاشع ومعصور القلب.

أنا بضمير البنوه والحب والعرفان حابدأ حكايتي.

كانت يوليه غير يوليه ومايو غير مايو

وكانت مصر في خامس سنه من الاحتلال البريطانى.

وعلى خريطة ما تفرقش الخضره والرمل والبني آدم يصح نرسم النيل بخط أحمر.

أحمد عرابى زعيم الشعب في المنفى ومعاه أمير الشعر سامي البارودي، صبح هناك عاجز وما عادش بيشوف الدنيا بعينيه.

الدنيا كانت عتمه واستعمار في سنة ألف وتمنمية وسته وتمانين. الشاعر العربي عاجز والعامل حيسقط شهيد.

وأنا متعصب  لاتنين: للعرب وللعمال، صاحب قضية ولوعة، وبابني في الشعر أبياتي.

على حبل حسَّاس بيتمرجح بسقـّالة

وعرق دسّاس وكانت ستِّى غسَّالة

بني آدم ومش آلة

ولمَّا أقول شيكاجو ألف وتمنميه وسته وتمانين ماهيش مناظر وباعرضها على شاشة السينما وبيوت تلاتين وأربعين دور بقزاز بيلمع ورخام جديد ويُفط وأنوار العفش المـسـتـّـف والهدوم الحلوه والميه الساقعه فى الكبَّايات وإبريل بيجري على مايو وربيع زينة، كل دا ما يهمّنيش: القلب عمره ما كانش من برَّة!

أنا مش حانكش القشرة علشان الجرح ما يخلينيش أصوَّت، لكن حاكحت البوية علشان أشوف اللي تحتها.

الرأسماليين! …  وحكمتهم – أستغفر الله – زى ما كان سباهي بيقول: «لو ربنا ينزل على الأرض أرشيه»..

شوف بقى الرأسماليين في أمريكا..

الشرف أهو كلام والدم بيروح بالصابون

ودول ناس نظاف وحالقين دقونهم وبيض وبعيون زرق..

وأنا الحقيقه ماليش فى الوصف كتير..

أنا باحب وباكره …

فيه مثل عندنا بيقول: «أنا واخوى على ابن عمى وأنا وابن عمى على الغريب».

دا صحيح لكن مش قوي.

حاكم فيه قرابه أشد من الدم،

يمكن بانت من الكلام اللي قلته ويمكن نرجع لها ونفيض.

المهم… إن في ظل الرأسمالية الوارف..

قبل ما يقولوا أنا وأخوي على ابن عمي، بيقولوا أنا على أخوي!

أنا على أخوى اللي الشبه بينى وبينه مش كبير..

مش زى المكنه والمكنه ولا السلعه والسلعه ولا الزنجى والزنجى ولا العامل والعامل أيوه العامل والعامل علشان يعيشوا لازم يشبهوا لبعض ولازم يقولوا: إحنا، العامل علشان يعيش لازم يقول أنا مع أخوى ومع ابن عمى ومع الغريب اللى يودّنى.

كلمة أنا ما تحلاش إلا بدفا الجماعة

زي لمّا تخبط على باب الحبايب ويسألوا «مين؟» تقول «أنا» ويعرفوك من حسك.

شبه بعض زى الطوبة والطوبة فى البنيان المرصوص،

العمال كانوا ماشيين في شوارع شيكاجو في أول مايو سنة ألف وتمنميه وسته وتمانين.

كانت ريحة عرقهم زى البحر الهادى، وزى الموجه ما بتطلع وتنزل كان فيهم القلق والطمأنينة.

كانوا من مصنع الجرارات (مكن للريف اللى جايين منه) وكانوا بيطالبوا بتمن ساعات عمل وكانوا فى مايو شهر الورد والنسمه اللى تحب فساتين النسوان وغصون الشجر.

كانوا ماشيين فى مظاهره سلميّه والحياه ماشيه معاهم. تقول أخوكم الخباز صنع العيش وأخوكم البنا رفع البيوت، وأخوكم النساج كسانى فى الشتا والصيف وحيِّتنى من طرح إيده النجوم على الأعلام.

كانت فى جيوبهم صور الولاد وفلوس فكه. وكانت الرقع على هدومهم بتدارى الفقر وتشهد لحنية الإيد اللى بتشتغل فى البيت.

كانوا باصّين قدامهم وسارحين لبعيد، وكان عددهم كبير من غير ما يشغى وإيديهم عفيه من غير سلاح، وكان البوليس حواليهم.

وكان مطلبهم حق ومقسم اليوم قسمه عادله وشاعريه:

8 ساعات للعمل

وتمانية للراحة

وتمانية للنوم

كانوا منغمين التلات تمانيات ومهندسينها فى الكتابه من حبهم للجمال. وكانت خطوتهم على الأرض مسموعه، تخلـّى الشبابيك تفتح وأصحاب الدكاكين يتلفتوا.

كان فيه موده وأمل وكانت الشمس معقوله، وكان فيه أحياناً هدوء، وكان فيه انتعاش واستغراب وخوف. وكان فيه ألف سبب لألف إحساس، وكان الجو مش عادى  فيه منديل بيمسح العرق، وفيه منديل بيخفى البصمات.

على مكتب الجريمة اتفرشت رقعة، مدير البوليس رص عليها العساكر، مستر ماكورميك رص عليها العمال. وبصوا لبعض واتبادلوا التحيه.

فى الدور الفوقانى ومشغلين المروحه ..  فاتحين الشباك .. كاسرين الشمس.

فى إيدين مدير البوليس قنبلة..

فى إيدين صاحب المصنع تمنها.

ـ اطمِّن ! ..

القاضى عارف إن العمال حيرموا القنبله على العساكر والعساكر حيردوا فى حالة دفاع شرعى عن النفس، ما تعرقش.. إرمى القنبله..  اؤمر الجنود ..  حود البنادق .. جربها على العمال.

 

اتكنست القواشيط .. صرخت الأرصفه والحيطان .. ماتت عليها الناس من غير ولادها.

أجسام بتحس أكتر من الأول، قلوب اتقطعت بصحيح ..

صوابعنا بتنعض .. بتتندم .. صوابعنا عميا بتقرا فى جراحهم وبتشوف الطريق.

سبقوا الزمن، طيّبوا خاطر الأم.

نزلوا ولادهم فى الميدان بسلاح .. لكن حياتهم هما كانت بتسأل .. حياتهم كانت زى العيّله اللى بتسأل، فتـّـحت عينيها لأول مره، آخر مره، وبتسأل ..

ليه لقمة العيش

فى إيدين أعادينا

وآلة الموت

فى إيدين أعادينا

ليه لقمة العيش اللى وارثه الهم

وآلة الموت اللى طالبه الدم

فى إيدين أعادينا

شبعت قيراط لبن الجمايس درّ

الجرارات يمكن عجلها اخضرّ

واحنا انغرزنا فى وحل من غير برّ

ومين يجيبنا ومين يودِّينا

ولقمة العيش

فى إيدين أعادينا

وآلة الموت

فى إيدين أعادينا

أنا كنت حلم فى عين ابوىَ حَبـِِيت

وفى حضن أمى خفت واتخبّيت

فين الولاد نلعب فى حوش البيت

وفين شعاع الشمس يهدينا

ولقمة العيش

فى إيدين أعادينا

وآلة الموت

فى إيدين أعادينا

الليل على حيطان المدينه طويل

من غير شجر والجفن منِّى تقيل

حاولنا نفدى ولادنا جيل ورا جيل

حاولت آباء فى الماضى تفدينا

ولقمة العيش

فى إيدين أعادينا

وآلة الموت

فى إيدين أعادينا

الميّتين ما يعكَّروش الماء

ومن الصليب ما يرفعوش الاعناق

إحلف بخنجر يحفر الأسماء

على خشب من نبت وادينا

من لقمة العيش

تحرم أعادينا

وبآلة الموت

تهلك أعادينا

خفق القلب وارتعشت أطراف المدينه، وانكب أول مايو على مساه الحزين والسيف ما يقطعش السما من الأرض..  والشمس عند الغروب متقنه صنعتها من آلاف السنين. ودى حزينه بجد ..  ودى بهلوانة أمل ..  تهرب من المحاريث من غير ما تخاف وتسقط من الجبل من غير ما تنكسر وتغرق فى البحر من غير ما تموت ..

ومالهاش ذنب فى سراب الصحارى وخداع البصر. إن كانت فى يوم من الأيام فرحت بالمدينه الجديده اللى من غير سور..  أهى النهاردا بتستعجل المغيب من شيكاجو علشان تعيّط فى الدرا وتنوح.

ويولـّع الزيت ويتلم عليه الفراش والناموس. والا البيت لسه ما نوّرش؟ ..  أمنا كانت واقفه على الباب بتستنى أبونا ومافكَّرتش تدخل تقيد الفتيله. إحنا الولاد خفنا من الظلمه وجرينا على العتبه واتجمعنا حواليها، ما طلبناش من أمنا تعشينا. لكن مسكنا فى ديلها وقعدنا نبرق فى الدنيا المغبّشه.

ونجمه جنب نجمه وشباك جنب شباك، الدنيا فضلت تنقط نور.

إحنا ولاد اللى ما رجعش، كل راجل يفوت علينا يقول يا ابنى.

كانوا زامِّين شفايفهم ومترَّبين ويشخطوا فى الجاره اللى تصوّت.

أب فى السجن وأب ميّت وأب متعوّر. ونسوان بيسخَّنوا الميه ويجيبوا الشمع ويطلـَّعوا من الدواليب ملايات بهتانه زى بياض العين.

وكل واحد يبص للتانى ويسكت، زى ما هى ساكته كراسى ماحدّش قاعد عليها وصور متعلقه على الحيطان والباب مفتوح نص فتحه علشان نقرب على بعض وعلشان الحاره ما تبعدش عننا.

شيكاجو حتنام من غير مساء الخير وتمن زنازين فى السجن تستقبل تمن عمال فى ليلة ربيع.

البوليس قمع الإضراب.

الجرايد بكره حتقول شغب وتتكلم عن القنبله اللى رموها العمال وتخش فى بعض التفاصيل وتلاقى شهود عيان ألسن من شهود المحاكم.

وكل الشقا اللى اتعرضنا له واللى ترجف منه الشعراء وتبظ العيون حتكبسه المطابع وتلخَّصه لأبجديتين.

أبجديه من الألف للييه تزيّف التاريخ لحد ما نتعلم ونكتب بالحبر اللى كتبناه بالدم..

وأبجديه من صفر لتسعه .. أرباح .. دولارات .. رقم استهلاك المكن..  رقم استهلاك العمال ..

المجتمع فى إيد الرأسماليين مجتمع يتقايا أبناؤه يبلعهم السجن. فى السجن أشرف من يتنفس الهواء فى أمريكا: أوجست سبايز وبارسون وزملاءهم، ودى أسامى أجنبيه لازم نعرف ننطقها، ومن غير رطان، أنا المتيَّم فى هوى الأوطان، فى حب مصر اللى بتحتفل النهاردا بأول مايو. أوجست سبايز وبارسون وزملاءهم تمانيه من زعماء العمال اللى قاموا بمظاهرة أول مايو، قبضوا عليهم بتهمة التحريض على الشغب واستخدام العنف وسجنوهم فى انتظار المحاكمة..

المطرقه ناحت على السندان

اتقسّمت كتل الحديد قضبان

الرأسمالى بيملك الآله

الرأسمالى بيسجن الإنسان

الرأسمالى بيملك الآله

أغلال على استغلال على بطاله

يجعل حياتك يا فقير عاله

ويموّتك ويبيع لك الأكفان

يعنى من قبل الولاده لبعد الموت، وأنت فى قبضة ماكورميك صاحب مصنع الجرارات اللى معاه الدستور والشرع والقوانين وتمثال الحريه بشعلته القايده على المينا مقلع ومرسى البواخر فى أواخر القرن التاسع عشر. يا تجاره إنتِ حره ـ رأس مال حر وبلد حره ـ المواطنين كلهم أحرار.

كدب! الحريه دى أخدع من ابتسامة المومس وخضرة الدولارات. الرأسماليين قيدوا المكان والزمن  وسطحوه. الزنزانه لها بُعدين ومالهاش تالت. الأربعه وعشرين ساعه بتقبل القسمه على اتنين وما تقبلهاش على تلاته.

ومدير البوليس اللى اترشى حدف القنبله  على العساكر الأنفار اللى من غير شرايط وقتل منهم قبل ما يقتل من العمال.

غلابه يا اللى علينا مع الأعداء، ما عندناش وقت ولا باقى فينا دموع ولا ينفعناش نعيّط عليكم.

صباح الخير على العمال فى سجن شيكاجو فى التانى من مايو وفرط الأيام اللى باقيه لهم.

صباح الخير عليهم وهمّا واقفين فى قفص المحكمه ـ قضبانه ضلوع التاريخ.

القاضى بتكشيره وشعر أبيض حلفهم اليمين. وبنفس التكشيره ونفس الشعر الأبيض حلـّـف شهود الزور. العداله والشرف والصدق كلام له معنى وله مضمون وجميل وممكن وحقيقى، بدليل إن الإنسان اللى ما بيقدرش عليه بيدعيه ويمثله، ودليل إنه بيكلف بعض الناس حياتهم.

السجن كان أرحم من المحكمه، لأنه صادق فى قسوته ولأنه بيقطع بين البشر وبعضهم بالحديد والأوامر ـ مافيش تمثيل، فى المحكمه، زى ما كتب العامل لابنه، «لا فى الحلفان صدق ولا فى الشهاده صدق ولا فى كلام القاضى صدق إلا الحكم بالإعدام على خمسه مننا وبالمؤبد على تلاته!»

كتب العامل لابنه قبل ما يموت:

أنا باكتب لك يا ابنى علشان تعرف الحقيقه وعلشان كل ما تفكّر فىّ والا تبص لصورتى والا تكلمك عنى ماما، تحبّنى لأنك ابنى من لحمى ودمى ولأنك بتحب الحقيقه.

باكتب لك وأنا فى السجن ومحكوم  علىّ بالإعدام ويمكن أمك تعين الجواب دا عدد من السنين قبل ما تديه لك تقراه، أنا تركت لها حق التصرف وهى أدرى باللى تعمله. اللى كنت بتطلبه منى اطلبه منها وهى مش حتخلى حاجه تنقصك، انت عارف حدود حياتنا.

انت عارف إن أبوك عامل، دى الحقيقه الوحيده فى اللى كتبته الجرايد عنى. اسأل عنى العمال اللى من جيلى، إحنا مشينا وكافحنا كتف فى كتف، علشانكم. علشان ماتتعذبوش عذابنا، ولا تقاسوا اللى كنا بنقاسيه، وكان ممكن أى واحد منهم يبقى مكانى، وتطالبنى ولاده واحكى لهم عن اليوم الأول فى مايو.

باقول لك الحقيقه أنا مش خايف من الموت. أنا راجع من المحكمه وشفت هناك أعداءنا بيكدبوا كأن الكدب حيمد فى أجلهم، لا فى الحلفان صدق ولا فى الشهاده صدق ولا فى كلام القاضى صدق إلا الحكم بالإعدام على خمسه مننا وبالمؤبد على تلاته.

دى مش أحكام قاسيه، دى تلخيص لأيام الشقا الطويله اللى بيعيشوها العمال. ما تعيطش أنا راضى بقسمتى وكان لازم موتى يشبه لحياتى، قاسى زى ما كانت قاسيه، صادق زى ما كانت صادقه، ما اقدرش أقول لك باعتذر، ما أقدرش اقول لك إنى برىء وتهمتى الحقيقيه إنى عامل بسيط وشريف ما رضيتش بحالى ما رضيتش بحال العمال، ما فضلتش فى حالى.

أمريكا كانت ولايات واتجمّعت فى بلد واحده.

الإنسان لازم يتربط بأخوه الإنسان. المكن دلوقتى بيساعد بعضه، كل ترس بيحدف على التانى والسلعه بتتجهز فى رصه واحده. أقدر أقول لك إحنا أقرب لبعضنا من المكن. تقوللى بالطبع. والحياه بتؤلمنا والموت بيؤلم  ولادنا! نعمل إيه؟.. نبدأ من البدايه، نغيَّر الحياه أولاً.. ونورّث ولادنا حياه أفضل.

انت حتفهمنى .. معاك العقل ومعاك والدتك ومعاك العمال.

مش قادر أطوِّل، كنت عاوز آخد و ادّى معاك، لكن مافيش وقت ومافيش مكان. سامحنى..

آخر كلامى أنا حاموت علشان العمال، علشان ولادهم، علشان ولادى.

اذكرنى بالخير

احمل رسالتى زى ما بتحمل اسمى

مع السلامة

العامل اللى كتب الكلام دا واحد من الخمسه اللى حكموا عليهم بالإعدام.. ماكانش حرامى فى سجن من غير قزاز يرشق المجتمع بالحجر، وما كانش قاتل بيستغفر  من القسيس، وما كانش برىء بتلوَّعه الصدفه اللعينه، وما كانش مظلوم..!

لكن راسه مرفوعه – ثابت – رجليه وهو ماشى للمشنقه، رجليه وهو واقف قدام المكنه، رجليه فى مظاهرة أول مايو، رجليه فى التمثال اللى حيتصبّ له، لكن لسه لحم ودم، على آخر سلمه افتكر يوم من الأيام لما ابنه عيط وراه وهو رايح الشغل.

وفى غمضة عين واحده سمع لدقة قلبه زى الخيل، وولد – كل ولد من أب وأم – وبيت ومدرسه وكنيسه وشارع وجزمه جديده وضحك، فرح، عيد، خناقات، صلح، الشمس، رحلة العمّال من الريف للمدينه، الليل،  وردية الليل، وردية النهار، رحلة الجرارات من المدينة للريف، فرحى أنا، العمال، السكه الحديد، الخلفه، – لسه بتحبنى؟، – ابننا.، – كل ولد من أب وأم – تمن ساعات عمل، تمن ساعات  راحه، تمن ساعات نوم، مين اللى حينام؟

تحت الثرى حاقلق مضاجعكم

يا حضرة القاضى، يا مستر ماكورميك، يا مدير البوليس، تحت الثرى حاقلق مضاجعكم

أنا اللى تحت الثرى حاقلق مضاجعكم

ماضى وحاضر ومستقبل حاراجعكم

أولها من أوله مايو ومواجعكم

أنا كنت عامل وكان أملى حليب صافى

قاسى الملامح رقيق القلب أوصافى

بدأتكم بالسلام وطلبت إنصافى

آدى ولادى يتامى

آمنا بالله والإنسان آمنا به

ولكن الوحش ما بيخلصش من نابه

دا اللى طلب منه وردية عمل فى اليوم

وزيها لراحتنا وزيها للنوم

لا عاد ينام ولا يتقلب على جنابه

لكن شهيد للأبد

رسمه انطوى فى الليالى واسمه طاب ونقى

وكان على الأرض نخله رجع إليها نقى

ويومه مهما بعد وخياله مهما نأى

خالد على المشنقه يقلق مضاجعكم

يا عامل أمريكى من القرن اللى فات، كلامك النهارده بيتحول نغم عربى وبتموِّل على قصب أوطانى.

«أنا اللى تحت الثرى حاقلق مضاجعكم» ـ صدقت!

أول مايو النهاردا صاحى فى الميادين ومعيِّد وضحاياه الورد والرياحين وخطوة العمال جيوش وسلام..

أول مايو رافع الأعلام – رسمياً – فى تلات أربع الكره الأرضيه، يقلق مضاجع دول.

نهايتها ـ ولا مفر ـ نهاية مدير البوليس فى مدينة شيكاجو.

اللى ارتشى وكدب علشان يمد فى أجله، اللى غدر خايف الموت ليغدر بيه.

ولاده بياكلوا من اللقمه المسمومه لإنهم مش عارفين، لكن هو عارف.

أنت عارف، وحتمد فى أجلك ازاى؟

البيت دا ساحه، والزمن ساعه، والقدر إعدام!

حتهرب فين؟ الهوا بيلفحك، إرفع ياقة البالطو وارجع لبيتك.

ما تتمناش! الأرض ما بتبلعش حد! شوف اللى قتلتهم أهم لسه ماشيين عليها. ما تحودش. ما تحاولش إنك تحود. لازم تعدّى من شارع أول مايو. لازم تطلع على رصيف أول مايو. أسفلت أول مايو. الشارع اللى ما بيخلصش، اللى بيطلع معاك المكتب، اللى بيدخل معاك البيت، اللى سرق النوم من عينيك والمشنقه من السجن.

عدى من شارع أول مايو ..  أنت مدير البوليس لكن صاحب مصنع الجرارات أذكى منك، والكلب اللى بيفحر فى الأسفلت أذكى منك. أنت جبان! أنت موالس مع العصابات فى شيكاجو وبتاخد اعترافات المجرمين بالضرب. أنت الشحم اللى فى المكنه ما بيستغنوش عنك لكن بيمسحوك، مستر ماكورميك أغنى منك..  والقاضى محترم عنك..  مش دول..  مش دول..  دول دايسين عليك من زمان ما عادش بيؤلموك، أنت دلوقتى معدّى من شارع أول مايو، بتدوس على أرض الشهداء ..بتتألم .. لسه فيك ضمير..

تحت الثرى حاقلق مضاجعكم

العمال ضمير أمريكا

رئيس المحكمه اللى حكم عليهم بالإعدام شاهد زور قدام التاريخ وقدامهم.

مدير البوليس بيمسح جبينه من العرق وبينهج زى العتالين فى شغلة الموت.

مش حيشوف القرن العشرين ومش طايل يفكر فيه، بيبص للسنين اللى وراه وبينزلها من غير سلالم، والسما والأرض ظلمه إلا أول مايو.

الورقه البيضا قدامه والموت على الباب.

الموت على الباب

اعترف

ما اتولدتش خاين ولا كداب

اعترف

الموت على الباب جالك

راجل ماهوش من رجالك

ولا حيرثى لحالك

ولا تشتريه بالمال

مكتوب على اللى كفر

يغلب فى آخر سفر

ولا يلتقيش حمَّال..

دى مغربية شمس والا سَحَر

مالك..  ومال..

اعترف

مافضلش إلا دقايق

وبعدها تموت

اعترف

اشترى لولادك الرحمة

والشرف والقوت

اعترف

اشترى لولادك الرحمه

لليتامى رضاع

اشترى الحق اللى ضاع

اعترف

شوف ضميرك

اللى رافض الانتحار

اللى خايف م الجحيم

شوف سريرك

زى مركب فى البحار

صلى لله الرحيم

واعترف

دا الموت على الباب

اعترف

ما اتولدتش خاين ولا كداب

اعترف

مدير البوليس سجّل اعترافاته، ومات كأنه مرتاح. فى لون الشمع وفى سن الخريف وفى إيده ورقه.

لكن الورقه اللى سقـّـطها الخريف كانت خضرا ومن العجايب، الورقه كانت بتطلب غصن والغصن يطلب حمامه، والحمامه من بلاد وبلاد، قامت على ميعاد، وزى الطبل اللى بيسمع من جبل لجبل فردت صدرها بجناحات وراحت شيكاجو. مش زى ما باقول، لكن بشقا سهر وتنهيد وبرد وعرق وكسر الأبواب مره واتنين وتلاته، قاموا العمال من كل مصنع، من كل ليل وطريق، يثبّتوا الورقه فى الغصن ويعلقوا الغصن فى منقار الحمامه.

حتقولوا خيال شاعر، وفيها ايه؟.. أنا يا إما عينى مزغلله بالدموع،  يا إما دماغى بتلف من نشوة النصر.

فيها إيه لما أقول الأكمام اللى بتمسح العرق الأكمام زهرت، والعمال مشيوا على السقالات من غير فزع، وما عادش فيه تحتهم هِوّ. على مدد إيدهم الورقه الخضرا شجر ع البر.

مش بمعنى إن العمال مش حينكسروا تانى ولا عاد فيه تانى سجن ولا مشنقه، لكن بداية النصر، هلال .. جنين ..  بذره لو حبيت تقول بذره.. برعم لو حبيت تقول برعم ..

وبسمه للربيع، غنوه، قبله للربيع احتجاجات العمال من كل العواصم «أعيدوا المحاكمة».

واتعادت المحاكمه وما طلعناش منها ببراءه للعمال ولكن عيد، ورد صاحى وعطر فرحان، مسك للقرن التاسع عشر، فى ألف وتمنميه وتسعه وتسعين قرار الأمميه التانيه للأحزاب الاشتراكيه باعتبار اليوم الأول من مايو من كل عام.

عيداعالميا للعمال

وبنحتفل بيه، مصر أم الدنيا بتحتفل بيه. فى ميدان التحرير على خطوتين من عرابى وتمانين سنه ..  دلوقتى بنعرف حاجه اسمها الربيع وأول مايو فى الميدان واخطب وغنّى وقول ومكروفون وطبل والدوله وهات يا عمال…

أول مايو كان لازم يشوف الميدان، النور يشوف النور، الحر يشوف الحريه.

أول مايو – يا سلام

أنا حبيت أقول حكايته بشعر وأغانى، ورحت وجيت وكان قلبى موزع، والكلام اللى أكبر منى أكبر منى بكتير، لكن على قدى..  أهى طوبه، وعرقت فيها، وابقى عامل. واحتفل بأول مايو رافع راسى فاتح صدرى مؤمن بوطنى واقول آسيا وإفريقيا شعوب عمال، جناحين أشداء للسلام، واحنا القلب اللى واصل ما بينهم، عرب على القارتين كنا أمة الكتاب والكرم والشعر والفروسيه ولنا دور فى الجديد ومستهلين كمثل الفجر.

وعنوان على طيبتنا يا أرض أول مايو يا أمريكا إن شاعر مننا قال وكأن أوجست سبايز أو بارسون بيقول، أو واحد من العمال الخمسه اللى اتحكم عليهم بالإعدام وكانوا أمريكان بيقول:

أحلى حاجه يوم أميركا

تبقى دولـه للســلام

سلام على سبايز وبارسون من البشر ملايين ومن النجوم اللى فى السموات واللى على الأعلام واللى من قدح المطارق.

بنحتفل بالشهيد، بنحتفل بالعيد. الفرحه نبتت من صميم الشقا، وأنا اللى حبيت أقول حكاية أول مايو بدأت بغنوه للآباء وفى دمعتى العرفان وفى جبينى الخشوع. دلوقتى دورنا: إحنا الآباء وولادنا قدامنا وبننهى الاستعمار وبنقول سبع ساعات عمل فى سنة ألف وتسعميه وتلاته وستين بننهى الليل وبنروح المدارس مع ولادنا.

غنوه لابنى، غنوه فرحانه، يا اللى اتولدت فى مايو وفى مصر حره، جنين لما ردّت بورسعيد العدوان، يا مصر والشام العرب وحده يا كل خطوه بنصر وكل كلمه بضىّ،  بصيت غميق فى عينيك طلبت الهدايه

أنت للفجر البدايه

وأنا لليل الختام

يا سلام بحّر وقبّل

بالصنايعيه وقبّل

شفة الدنيا فى أوّل

مايو أوّل الابتسام

وانت للفجر البدايه

وأنا لليل الختام

يد عامله يد بانيه

وادى خطوه وادى تانيه

واحنا نقـّصنا التمانيه

واحنا عدّلنا النظام

وانت للفجر البدايه

وأنا لليل الختام

يا جناح فى الجو طاير

بين سنابل وضفاير

شهداء كنا وبشاير

زى أسراب الحمام

وانت للفجر البدايه

وأنا لليل الختام

صِحْيـِـت الدنيا ورأتنا

فى العلالى بمطرقتنا

والهوا مطاوع  رايتنا

والفرس من غير لجام

وانت للفجر البدايه

وأنا لليل الختام

والسدود اللى بتعلى

والسواقى اللى بتملا

بنتى يوم عن يوم بتحلى

وابنى سابق فى العلام

وانت للفجر البدايه

وأنا لليل الختام

وسألت ابنى بتحب إيه فى الألوان قال الخضره وسألته ليه قال إكمنها بتطلع من الأرض وبتعلى .. ورفع إيديه .. أنا قلت له لفوق يا ابنى لفوق .. مش راح تطولنى أنا بس ولا السقف بس ولا السما وبس لكن أكتر من كدا .. المعجزه .. اللقمه لكل الناس والكهرباء فى كل بيت

قال التاريخ أنا شعرى اسْوَدّ قال السد أشكر العمال.

معجزة عمال فى الجمهوريه اللى رئيسها يقول أنا العامل.

ومايو دلوقتى مايو ويوليو ثوره وقرار.

قلنا طردنا الملك

حررنا أوطاننا

أممنا القنال

نقصنا ساعات العمل

امتلكنا الأرض

قلنا النهاردا امتلكنا الأرض ولفينا نطاقها وخرجنا منه وانطلقنا فى الفضاء قلنا النهاردا شَعر التاريخ اسْوَدّ قلنا النهاردا اسمنا العامل وأول ماده فى الدستور فى أكتر من بلد بتقول أنا دولة العمال.

من ديوان موال البرج

الوسوم