تيتان تواصل افتراس وادي القمر والدولة والمجتمع يتفرجان

تيتان تواصل افتراس وادي القمر والدولة والمجتمع يتفرجان
كتب -

كتب- عمرو أنور
تتواصل معاناة أهالي منطقة “وادي القمر” غرب الاسكندرية، والبالغ تعدادهم 65 ألف نسمة تقريباً، القاطنين بجوار مصنع تيتان مصر للأسمنت التابع لشركة “اسمنت إسكندرية – تيتان مصر للأسمنت” الذي يسمونه “مصنع الموت”، دون أن يستجب أحد لشكواهم المتكررة التي يسببها المصنع الذي لعبت إدارته أدواراً شديدة الغرابة في قصص عديدة؛ مع الأهالي والدولة والمجتمع المدني وحتى الشركات الكبرى؛ تبدأ أكثر مشاهدها إثارة، في عام 2007، عندما أصدر الدكتور كمال الجنزوري، رئيس مجلس الوزراء أنذاك، قراراً بنقل المصنع لمكان آخر لخطورته المؤكدة على صحة السكان وعلى البيئة – بصورة لا يمكن اصلاحها سريعاً – وحتى على النشاط الاقتصادي في المنطقة، لكن المصنع تحدى رئيس الوزراء والدولة، واجتاز بسطوة غريبة وغير مفهومة محطات قضائية، ولم يتوقف عندها، فمن المفارقات أن شركة المكس للملاحات، حصلت على حكم قضائي في الدعوى القضائية – رقم 238 لسنة 2010 – يوجب غلق المصنع، لكن “تيتان” مازال يعمل، ومازال يسبب “الموت”.

تفاصيل القضية التي أقامتها شركة “المكس للملاحات” التي تعتبر من أقدم الشركات العالمية في صناعة الملح – بدأت نشاطها عام 1801 -، وأكبرها في مصر والشرق الأوسط، ويصل انتاجها من الملح الخام إلى 1.750 مليون طن سنوياً، تصدر منه للخارج حوالي 750 ألف طن سنوياً، أثبتت أن بواعث مداخن مصنع “تيتان” تلوث البيئة المحيطة وتدمرها، مما يؤثر بصورة مأساوية على ملاحات الشركة وانتاجها، ويحملها تكاليف إضافية كبيرة لمعالجة منتوجاتها لتخليصها من بواعث الأسمنت السامة، ويقلل أرباحها ويتجاوز ذلك لتحميلها بخسائر وخسارة عملاء في أوروبا والولايات المتحدة لهم اشتراطات بيئية وصحية صارمة.
وللحكاية تاريخ، فـ”وادي القمر” عبارة عن تلال ملح شاسعة كان يعيش على أطرافها آلاف من السكان، والملح والقمر وطبيعة الأرض صنعوا الاسم، ضوء القمر يسقط على تلك المساحة الشاسعة، فتتلون باللون الفضي القريب من ضوء القمر، فولد الاسم: ضي القمر، وتحول إلى بوابة القمر، ليستقر عند “وادي القمر”؛ فالمنطقة منخفضة قليلا عن محيطها، حيث طوابي وقلاع قديمة تخبرنا الكثيرعن أهمية المنطقة تاريخياً وطوبوغرافياً، كبوابة وحامية للاسكندرية من الجهة الغربية.
أكثر من قرن ونصف القرن والنشاط  الاقتصادي الرئيسي قائم على الملح ومنتوجاته، لكن مع نهاية سبعينيات القرن الماضي بدأت المنطقة تتحول لمنطقة صناعية؛ فتكونت شركات عدة تعمل في مجالات متنوعة: أسمنت وكيماويات وغاز وبترول، وبدأت المشكلة تتراكم إلى أن حدث حريق في إحدى المستودعات الخاصة بشركة “الإسكندرية للبترول”، وأثر على المنازل المجاورة، وصعدت المشكلة لمستوى النقاش العام وتمحور حول سؤال رئيسي: لمن الأهمية، الاقتصاد والصناعة أم البيئة وسلامة وصحة السكان؟، ومنه تفرع سؤال تفصيلي عن الحقوق والواجبات؟، الشركات قالت: المنطقة صناعية وليست سكنية، وأبرزت تعاقداتها مع الدولة حول الملكية والترخيص وموافقات النشاط الصناعي والتزاماته، ورد الأهالي بتقديم عقود وخرائط تثبت انهم مقيمون في المنطقة من تاريخ سابق، يرجع لعام 1930، وكانت حججهم الأبرز أنهم أول من سكن المنطقة، ويرددون: “إن عمر منطقة وادي القمر السكنية يتجاوز الـ200 عام، أي قبل إنشاء مصنع الأسمنت بأكثر من 150 سنة، وذلك طبقا لخريطة صادرة من الهيئة العامة للمساحة عام 1944″، والدولة والشركات الكبيرة أبرزت أوراقا مضادة: التخطيط العمراني يقول أن المنطقة مخططة كمنطقة صناعية.
جزء من الدولة حسم جانباً من المشكلة، وزارة الصحة أكدت أن الغالبية العظمى لأهالى وادي القمر مصاب بتحجر رئوي، وأمراض صدرية مزمنة لا علاج لها؛ نتيحة تصاعد مادة “الباى باص” الناجمة عن صناعة الاسمنت، بالإضافة لغبار رمل السيليكات والأتربة السطحية وأتربة البوكسيت وأكاسيد الحديد التي تتنتج داخل أفران مصنع تيتان بوادي القمر تحت درجة حرارة(800)مئوية، كما تأثرت بحيرة مريوط هي الأخرى، فتراجعت كمية ونوعية أسماكها نظرا لتلوث مياها جراء غبار “تيتان”.
من بين كل المصانع والشركات العاملة في وادي القمر تظهر التقارير الحكومية أن مصنع “تيتان” الذي تملكه مجموعة تيتان اليونانية والتي تملك عدة مصانع للاسمنت في مصر وبدأت نشاطها في سوق المصرية مع نهاية السبعينات من القرن الماضي، ثم تحولت لملكية المصانع – في إطار برنامج الخصصة 1999 – واستحوذت على ملكية عدة مصانع كانت ضمن ملكية الدولة، هو الأكثر تدميرا للبيئة وتأثيرا على صحة العاملين قبل السكان، وإدارته تتحدى كل القوانين البيئية، وتم تشغيله بالقرب من شاطىء البحر وملاحات المكس وبحيرة مريوط ومعسكر للأمن المركزى ليستنشق الجميع الاسمنت بدلا من اليود.
منطقة وادي القمر أصبحت بمثابة جحيم يحيط بالأهالي، بعد أن كانت ملاذاً للراغبين في الراحة والشفاء، فقد خلد مكانتها كمشفى شاعر القطرين – مصر ولبنان – خليل مطران (1872- 1949) عندما لجأ إلى المنطقة التي كانت منتجعا علاجيا وسياحيا، وكتب فيها قصيدته الشهيرة “المساء على الصخرة الصماء”، ومنها هذا البيت:
شَاكٍ إلى البحرِ اضْطِرَابَ خَواطِرِي        فَيُجِيبُنِي برِياحِهِ الهَوْجاءِ
ولأننا مازلنا في عالم الفن والخيال، فلنذكر أن “تيتان” تعبير إغريقي – يوناني – قديم، وهم بحسب الميثولوجيا – الإطار الديني والعقائدي- الإغريقية، هم عرق من الآلهة الأقوياء الذين حكموا الأرض خلال العصر الذهبي الأسطوري، وكانوا يعدون؛ في غالبية الأوقات؛ تجسيدات لقوى الطبيعة ومظاهرها المختلفة.
من بين الشكوى العديدة للأهالي يبرز تأكيد هاني أبو عقيل أن نجله الصغير ولد مصابا بالتحجر الرئوى دون أن يلتفت أي مسئول للأطفال المصابون بالمرض اللعين.
وعن أهمال الدولة رغم تقلب القائمين عليها، يقول أبو عقيل: “إن الإخوان المسلمين؛ خلال فترة حكمهم؛ كانوا يريدون منا أن نصمت على زحف بواعث مداخن مصنع الأسمنت كوحش إلى صدورنا، وصدور أبنائنا، فإلى متى تتجاهل الدولة صحتنا ومستقبل أولادنا؟”
 ودعا، أبو عقيل،  الدكتورة ليلى إسكندر، وزيرة الدولة لشئون البيئة، أن تزور منتجع وادي القمر لمدة يوم واحد، متحديا إياها أن تصمد أمام غبار الأسمنت؛ الذي “يفترسنا طوال أكثر من 30 عاما”.
 أمام جبروت “تيتان” وتحديها للدولة والقانون لم يكن أمام الأهالي الا تأسيس “اللجنة الشعبية التنسيقية بوادي القمر” ودشنوا حملة “لا بديل عن نقل المصنع”، ونظموا وقفات احتجاجية ضد الشركة تطالب بنقل المصنع، كما دعوا منظمات المجتمع المدني للتكاتف معهم، لكن المجتمع المدني بالإسكندرية لم يكترث كثيرا لحجم “كارثة” وادي القمر، وكان تضامن عدد من الأجانب مع أهالي وادي القمر لافتاً، خاصة وأنهم أطلعوا الأهالي على جانب من صمود ونضال مواطنين في بلدان عدة ضد المصانع الملوثة للبيئة والمؤثرة على حياة المواطنين، فهل يدفع واقع وادي القمر المتردي سكانه إلى تشكيل حملة تضامن دولية معهم؟