“ترسا” قرية فيومية تستغيث من غرق منازلها.. ومسؤول الري: “البحر بتاعنا ونفعل ما يحلو لنا”

“ترسا” قرية فيومية تستغيث من غرق منازلها.. ومسؤول الري: “البحر بتاعنا ونفعل ما يحلو لنا”
كتب -

الفيوم- هدير العشيري ومحمود عبد المنجي:

في شوارع ضيقة لا يتجاوز عرضها مترين ووسط بيوت متهالكة، يعيش أهالي عزبة الزناتي بقرية ترسا التابعة لمركز سنورس بمحافظة الفيوم، حالة من المعاناة المستمرة، والتي تتجدد بين الحين والآخر، فما أن تسألهم عن أمانيهم وأحلامهم حتى يخبروك أنها فقط “تغطية بحر ترسا الذي يغرق القرية باستمرار سواء بيوتهم وأطفالهم”.

فلا أحد يستجيب لهم حتى ما حدث في الساعة الخامسة من فجر يوم الأربعاء الماضي، فوجئ أهالي القرية بارتفاع منسوب مياه مصرف النحاسين، ووصول المياه إلى منازلهم، في مشهد يشبه الفيضان، ويفزع الكبير قبل الصغير، ويأخذ الأخضر واليابس، ولا يرحم كفيف ولا عروس تنتظر عرسها بعد شهر واحد. 

“ولاد البلد” ترصد ما حدث بقرية ترسا، وما تسبب من خسائر بعد فيضان مياه البحر.

واقع مؤلم

يقول محمد علي نمر، أحد الأهالي، إن ما شهدته القرية كنا لا نراه سوى على شاشات التلفاز، لكنه فجأة أصبح واقع مؤلم لكل أهالي القرية التي لا تملك سوى قوت أبنائها، مستكملًا “استيقظنا على صراخ الأطفال والأمهات، ليستنجدوا برجال القرية لإنقاذهم بعد أن غرق كل ما يمتلكونه في منازلهم، وظل ذلك منذ الساعة الخامسة صباحًا حتى الساعة الخامسة مساء”.

ويضيف أن مسؤول الري ألقى باللوم على الأهالي بأنهم يلقون القمامة والحيوانات داخل المصرف، مما تسبب في انسداده وارتفاع منسوب المياه، لافتًا إلى أنه لم يفعل شيئًا غير تسليك البحر، وترك الوضع كما هو.

ويكمل نمر أن اللواء ناصر العبد، مدير أمن الفيوم جاء لمعاينة ما حدث، وعندما توجهنا له بالشكوى وسط حالة من الغضب تسيطر على الأهالي رد علينا “أنتم مش عارفين بتكلموا مين”، متسائلًا “هل مدير الأمن جاء علشان يعرفنا إحنا مين وهو مين؟”.

ويتابع “نعاني من غرق منازلنا منذ ستة أشهر، وعندما توجهنا للوحدة المحلية قال لنا رئيسها السابق إنها مسؤولية الري، وتوجهنا إلى مديرية الري لنواجه رد أنهم لا يملكون المعدات الكافية، فهل الأهالي مطالبين بشراء المعدات؟ هل المواسير التي وضعوها بتكلفة 12 مليون جنيه لا يوجد معدات لها لعمل الصيانة اللازمة أو إزالتها.

ويذكر نمر أن الأهالي قاموا في العديد من المرات بتنظيف المواسير، ولكي يقوم مسؤول من الري بتنظيف البحر تجده يطالبك بإعطائه رشوة تحت أي مسمى “شاي أو إكرامية”، ونضطر أن نجمع من الأهالي لإعطائه، فإن كنا ملزمين بإعطائه رشوة، فمن هو الملزم بإعطائنا حقوقنا؟

مشكلة المواسير

ويقول محمد جاد خيرالله، أحد الأهالي القرية إن المواسير التي تغطي البحر من بعض الأماكن “ملهاش لازمة” على حد تعبيره، إذ تتجمع فيها كل مخلفات القرى المجاورة، وعندما تمتلىء بالمخلفات، نجد أن مياه البحر تغرق قرية ترسا بسبب انخفاض المنطقة السكنية بالقرية.

ويضيف أن مشروع الري تم إنشاؤه منذ قرابة 5 أعوام، ومنذ تم تركيب المواسير والمشكلات تتوالى، إذ أن فيضان البحر ليس المرة الأولى، لكن هذه المرة هي الأقوى.

ويشير خيرالله إلى أن مسؤول الري الذي حضر لمعاينة المشكلة قال في تصريحاته إنه صاحب البحر ويفعل به ما يحلو له، لدرجة أن الأهالي كادوا يعتدون عليه، متسائلًا: كيف لمسؤول أيًا كانت مكانته أن يواجه أهالي قرية غارقة بهذا التصريح بدلًا من ان يعمل على حل المشكلة.

ويطالب خيرالله بإزالة المواسير، معللًا بأن الفلاحين ممن يقومون بالري من بحر ترسا يشكون ضعف المياه بسبب وجود المواسير، محملًا إدارة الري مسؤولية الكارثة.

دمار المنازل

ويقول محمود عثمان، أحد الأهالي إن المياه دمرت بعض البيوت، مضيفًا أن جاره كان يجهز ابنته العروس، ليفاجىء بغرق كل الأجهزة الكهربائية في المياه، لافتًا إلى أن الخسائر تقدر بأكثر من 40 ألف جنيه في منزل واحد فقط.

ويتابع عثمان أن الأهالي جمعوا بعض المال وعرضوا على مجلس المدينة بناء سور على البحر، لكن المجلس رفض تقديم أي مساعدة إضافية، مردفًا أن لجنة المعاينة تريد رؤية بعض المنازل المنهارة حتى يقوموا بتعويض أصحابها.

ويتساءل: هل نقوم بهدم المنازل ونحضر ثلاثة وفيات حتى نحصل على تعويضات أو حلول على الأقل لهذه المشكلة؟

ويوجه عثمان رسالة لمسؤولي مجلس مدينة سنورس، ووزارة الري بضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة لحل مشكلة بحر ترسا، وعدم التقاعس عن أداء واجبهم الذي أقسموا على تأديته.

من المسؤول؟

ويقول فتحي نصر، أحد الأهالي إن هذه المشكلة حدثت أكثر من 20 مرة، وكل مسؤول يأتي يقول إنه لا ذنب له، فمن هو المسؤول؟ وعندما يأتي مسؤول الري يقول لنا أن البحر ملكه ويفعل فيه ما يحلو له، فهل خراب بيوتنا وتصدع جدرانها يحلو لك أيها المسؤول؟

ويضيف أن منزله مقام منذ قرابة 10 أعوام، وبعد أربع سنوات بدأت تظهر فيه التصدعات والشروخ بسبب مياه البحر، مردفًا “قدمنا شكاوى كثيرة ولم ينظر لها أي شخص، وفي الأمس بعد أن تواجدوا حتى الخامسة مساءً، قالوا لنا إنهم لن يستطيعوا عمل أي إجراء قبل شهر يناير المقبل.

ويوضح نصر “يوجد ثلاث غرف للمواسير أما منزلي، تعتبر مقابر للأطفال، إذ تسببت في وفاة 4 أطفال من القرية في الثلاث سنوات الأخيرة، وقال لنا مسؤول الري اللي عنده طفل يمسكه من إيده”، متسائلًا: هل سنترك عملنا ونجلس بجوار أطفالنا بسبب إهمال جهة حكومية وفشلها في عملها؟

ويشير نصر إلى أن مياه البحر لم ترحم أحياءً ولا أموات؛ حتى إنها أغرقت المقابر، وتسببت في هدم بعضها.

السدة الشتوية

يقول محمود هاشم، رئيس مجلس مدينة سنورس “بمجرد علمنا بما حدث توجهنا على الفور إلى القرية بكافة المعدات لتسليك المصرف وشفط المياه”، محملًا الأهالي المسؤولية لما وصفه سوء استخدام منهم، وإلقائهم المخلفات داخل المصرف.

ويشير هاشم إلى أن هناك لجنة ستقوم بعمل حصر للأسر المتضررة لصرف تعويضات لهم عما حدث، لكن بعد معاينة القرية.

ويوضح رئيس المجلس أن المسؤولية تقع على عاتق إدارة الري، مشيرًا إلى أنه خاطبهم وكان الرد “لا نستطيع فعل أي شىء قبل السدة الشتوية”، كما وعد بتعلية السور الذي يشكو منه الأهالي خوفًا على أبنائهم.

وقال المهندس أمان الله فريد، وكيل وزارة الري بالمحافظة، إن مياه الترعة فاضت بسبب إلقاء الأهالي للقمامة فيها، حتى اقتحمت المياه بعض المنازل القريبة من مجرى المياه، والمنخفضة عن الترعة.

وأضاف أنه توجه إلى عزبة الزناتي بقرية ترسا، وأجرى عمال الرى تنظيفًا للمجرى المائي، مع تكسير جزء من المواسير المسدودة على الجزء المغطى من المجرى، وتم فتح البيارات واستخراج كميات القمامة الموجودة بها.

وأوضح  وكيل وزارة الري أن مسؤولي الري وضعوا شبكة خشب أشجار على الجزء المكشوف من الترعة، لكن بعض الأهالي رفعوها، وحررنا محضرًا ضدهم، لذلك نحملهم مسؤولية أي غرق يحدث للمنطقة، بحسب قوله.