تمر السنوات ولا تزال أمامي يا أبي، أتذكر كل كلماتك، أتذكر نصائحك، أتذكر أنني كنت أضجر منها أيضا، لم تفارقني للحظة عبراتك وتقلب مقلتيك كمدا على الوطن، لم أنسى اصطحابك لي في جلسات الأدباء والشعراء والساسة، لم أنسى حبك الجارف للكلمة المؤثرة في كتاب أو حتى على لافتة بالشارع، لازلت أحتفظ بكتاباتك دون أن أطلع أحدا غيري عليها، ربما لأنني أدرك أن كلماتك كانت كلها لي ولا يحق لأحد أن يقرأها، أو ربما لأن لدي قناعة بأن كلماتك أكبر من يقرأها آخرين، أبي مرت 10 سنوات ولازلت أرى ما كنت تحلم به لا يتحقق، أعجز أن أفكر لأن تفكيري أصابه الفشل، أبي فلتسامحني لأن القلة التي كانت قد كبرت واستفحلت وهيمنت على كل شيء، وعجزنا عن مواجهة الفساد بالفن، وعن مواجهة الجشع بالكلم الطيب، وعن مواجهة السيف بالورود، فاليوتوبيا التي رسمتها أصبحت خرابا يديرها المنافقين والجهلاء والطامعين في خطف الوطن.

أتذكر أنني ربحت 10 جنيهات شهادة استثمار وأنا في سن السابعة أو الثامنة لاشتراكي في مسابقة معلومات عامة بإحدى مجلات أطفال شهيرة، وفرحت بي يا أبي أكثر وأكبر من فرحتك بتفوقي الدراسي، ربما لأنك كنت تعلم أن الدراسة روتين لابد منه، وربما لأنك كنت أحد العاملين في مجال التربية والتعليم وتعلم ماهية التعليم في بلادنا، وكنت تفرح أكثر بقرائتي وأشقائي لكتاب أو رواية، كنت جمهوري الكبير حينما كنت أحبو في مجال الشعر، هل تذكر محاولتي المسرحية الأولى “صابر”؟! اختيار الاسم كنت أنت السبب فيه.

أما السبب فهو أنت يا أبي لأنك أنت “صابر” تلقفتك الدنيا وحاصرتك كثيرا وكثيرا ورغم صغر سني كنت أتابعك وأنت تقسو على نفسك لأجلنا فكيف لي أن أنسى غنائك لنا وقتما كنت تتمزق من شدة الألم وقلة الحيلة أمام طوفان مطالب الحياة التي لا ولم ترحم، كتبتك يا أبي نصا مسرحيا لرجل يقاسي من الدنيا ويصمد وينزف دونما أن تفارقه الابتسامة العريضة، عمل مدرسا وأعمال أخرى بعد التدريس، وسافر وكافح ليجد لأبنائه مكانا في هذه الدنيا، وعاد يعمل وتقلد أرفع المناصب العملية دون أن يترك عشقه للقراءة والكتابة والوطن، وفاجئته هموم السنوات في كبده الذي تهتك وانتهى وهو راض تماما لأن دنيانا لا تحتمل سوى من يحمل المال فتركه دون أن يطلب علاجا ورحل.

أذكرك اليوم في مقالي رغم قناعتي بأن الناس لم تعتد تحتمل آلاما فوق آلامها، ولكن ما باليد حيلة فأنا لم أنساك أمامي وحولي دائما، فذكراك خير سلوى لقلبي الضعيف في زمان أصبحت فيه الآمال والأحلام “موضة قديمة”، ولأنك كنت رمزا لي في كل شيء تحضرني ذكراك فورا، وأحن دائما إلى آخر ما كتبت قبل الرحيل “حدوتة قبل الموت” التي تلخص ما نحياه الآن.

أبي العزيز عد لي يوما واحدا أقل لك أشياءا كثيرة، أقبل قدميك وأأسف لأي شيء أغضبك مني، أو أتيك طوعا عند ربك، فأنا لم أعد أحتمل مثلك قسوة الحياة مع ابتسامة لأبنائي، لقد صرعتني السياسة والصحافة كلاهما مُر، وكلاهما يحتاج إناس غيرنا.