بين سخرية المجتمع وتجاهل الدولة.. معاناة أقزام الإسكندرية لا تتوقف

 

 

ما بين سخرية المجتمع والإهمال الحكومي تتجسد معاناة نحو 1500 قزم بمحافظة الإسكندرية، معاناتهم لم تتوقف عند التمييز بينهم وغيرهم لقصر قامتهم، ولكنها تمتد لعدم الاعتراف بهم كمواطنين من الدرجة الأولى لهم من الحقوق ما لغيرهم، سواء حق التعليم أو العمل أو المعاملة اللائقة.

“ولاد البلد” التقى عددا من الأقزام داخل جمعية رعاية الأقزام بالإسكندرية، وهي المعنية بمتابعة شؤونهم وحل مشكلاتهم.

أنا قزمة

“فتاة شابة قصيرة القامة شعرها منسدل علي كتفيها ترتدي ثيابا أنيقا يشبه لباس الأطفال، بيضاء اللون، ذو وجه مبتسم مرح، حركتها خفيفة وسريعة تنتقل ما بين الحجرات و أروقة جمعية الأقزام تتابع أمور أقرانها القصار وترعي شؤونهم وتري احتياجاتهم خلال الاجتماع الشهري لهم بصفتها مسئول إداري بالجمعية، الجميع يلقبونها بالنجمة لكونها “ممثلة أقزام”.

إنها هالة حمدي، في الثلاثينات من عمرها، لم تكمل تعليمها وتوقفت عند الشهادة الإعدادية بسبب ظروف الحياة الصعبة، وهي من قصار القامة، وتشغل منصب المسؤول الإداري بجمعية رعاية الأقزام بالإسكندرية.

التقت بها “ولاد البلد” وقالت لنا في البداية إنها لم تشعر بالخجل لكونها قزمة أو قصيرة القامة لأن الله خلقها في هذه الصورة وهو من أراد لها أن تصبح هكذا، مؤكده أنها تقيم مع أسرتها بمُحافظة الإسكندرية وليست بشكل دائم بل تقضي معظم أوقات عملها بالقاهرة في مجال الفن حيث أنها تؤدي أدوارا فنية في التليفزيون والمسرح.

إهانة المجتمع

وتضيف حمدي، أنها تحب وتعشق التمثيل منذ صغرها وعندما يعرض عليها أدوار تمثيل تطلب أقزام تشارك فورا، مؤكده أنها شاركت في أفلام حمادة يلعب، ومسرحية الأميرة والصعلوك مع الفنان نور الشريف، والسلطان الحائر مع الفنان محمد رياض.

وتواصل حديثها قائلة: إن تلك الأدوار التي أقوم بتمثيلها مبنية علي احتياج المخرج لفتاة قزمة لكي يسخر منها ويسخر عليها الجمهور كنوع من الكوميديا والضحك، مما يجعلها تشعر بمدي إهانه المجتمع وجهله بالقزم وكأنه هو الذي خلق نفسه وليس الله سبحانه وتعالي.

التمييز

وتتابع هالة حمدي قائلة: “المجتمع يسخر مني في جميع الأشياء ولم يساعدني على تخطي مشاكلي، حيث أجد ضحكات المجتمع حينما أجد صعوبة في صعود الأتوبيس والمواصلات، وحينما أدخل محال ملابس الأطفال لشراء ملابس لأن ملابس الفتيات اللاتي في عمري لن تناسب مقاسي”.

وتستطرد: ” إضافة إلى ذلك هناك معوقات كبيرة تقابلني حين أذهب لاستخراج أوراق رسمية “فيش وتشبيه أو رقم قومي”، حيث أجد زحام شديد وتكدس ولا أجد من يرأف بحالي لقصر قامتي، وعدم تحملي الوقوف طويلا وينهي لي الإجراءات.. طبعا بالإضافة لسخرية الموظفين مني”.

لست نصف أنثى!

سالي السيد، إحدى الفتيات قصيرات القامة، عمرها (25 عاما)، وتعمل مُدرسة بحضانة، تقول: “المجتمع يسخر مني في كل تحركاتي ودائما ما يشعرني الناس بأني عاجزة وأيدي مكبلة لتجاوزي محنتي الدائمة وتخطي قصري الذي لا يد لي فيه”.

وتابعت، السيد: “الحياة لدينا ضيقة للغاية حيث أنني لست متزوجة ولا مرتبطة بسبب نظرة المجتمع لنا بأننا معوقات لا نصلح للزواج أو يقولون علينا أنصاف إناث”، مشيرة إلى أن شاب طويل القامة تقدم للزواج منها وكان يحبها ولكن أهله رفضوها بشدة وقالت والدته لها في وجهها أنت “عروسة لعبة” ولن أسمح لابنى أن يتزوجك”.

1500 قزم

” نحن في الإسكندرية عددنا 1500 قزم، ولنا العديد من الاحتياجات التي لا تنظر لنا الدولة فيها بعين الاعتبار، فنحن مهملون تماما ولا أحد يحاول أن يساعدنا من الدولة وكأننا لسنا مواطنين مصريين من الدرجة الأولى، فالمجتمع ينفر من وجودنا ويسخر منا دون مبرر” هكذا عبر عصام شحاتة، رئيس مجلس إدارة جمعية رعاية الأقزام بالإسكندرية وموظف بهيئة الضرائب العقارية، عن وضعهم.

وأوضح شحاتة، أن فكرة إنشاء الجمعية جاءته منذ عام 2000 وبدأ يسعى لتنفيذها من خلال رجال الأعمال والدولة دون جدوى، ولكنه توجه للمحافظ الذي قرر منح الجمية قطعة أرض بمنطقة 21،ولكنه فوجأ عند الاستلام بطلب 40 ألف جنيه ثمنا للأرض.

وتابع: “تمكنا من تأسيس الجمعية لخدمة 1500 قزم بمحافظة الإسكندرية، و 75 ألف قزم على مستوى الجمهورية طبقا للإحصائية الرسمية”، مؤكداً أن فكرة الجمعية تهدف لخدمة الأقزام المُهمشين تماما من قبل المجتمع.

الخوف

علي فتحي، أحد الاقزام بالإسكندرية وعضو بالجمعية، يؤكد أن هناك أقزام بلغوا 18 عاما ولم يخرجوا من منزلهم بسبب الخوف من مواجهه الناس والخجل بسبب فقد الوعي لدى المجتمع وعدم تقبلهم، والسخرية من شكلهم وقصر قامتهم.

وأكد عدم وجود أي جمعيات أهلية كانت تخدم الأقزام ولا حتى أى جهات حكومية تقدم لهم مساعدات، قبل تأسيس الجمعية منذ نحو عامين ونصف العام فقط.

الحرمان من 5%

يؤكد أحمد عبد القادر، أحد الأقزام بالإسكندرية، أن نسبة 5% للمعوقين انقطعت الآن تماما، وأصبحت لا تطبق عليهم، حيث أن القانون لا يعتبره معاق رغم قصر قامته الذي يعيقه عن الكثير من الأشياء، لافتا إلى عدم وجود سيارة مجهزة ولا حتى وظيفة ولا سكن ولا معاش ولا أي شيئ، حتى أن كل الهيئات الكبيرة لا تشغل أقزام رغم أنهم لا يجدون لقمة العيش.

ويلتقط عصام شحاتة، رئيس جمعية الأقزام، طيف الحديث، مؤكدا على أن احتياجات القزم تتمثل في اهتمام المسؤولين وتعاون الجهات الحكومية في تسهيل كافة الإجراءات وتوفير الرعاية منذ ميلاد القزم، وتوفير سكن ضمن الأسر التي تستحق، وتوفير تأمين صحي، وتخفيض المصاريف الدراسية وتوفير مهن حرفية.

الدستور ضم الأقزام

يؤكد وليد فتحى، نائب رئيس نقابة المعاقين بالإسكندرية، أن على مستوى جمهورية مصر العربية يوجد 12 مليون معاق، من بينهم 600 ألف معاق فى الإسكندرية فقط وذلك طبقا للإحصاءات الرسمية بالدولة، ويتمثلون فى الفئات التالية وهم المعاقين بالإعاقات الحركية مثل البتر أو الشلل، والإعاقات الذهنية، وهم ذوو الاحتياجات الخاصة والذين يتطلب تعايشهم معاملة خاصة توفر اندماجهم فى المجتمع، والمكفوفين، والصم والبكم، وأخيرا ضم الدستور الجديد الأقزام.

مطالب مشروعة

ويضيف فتحي، أن مطالب المعاقين تتمثل في، أولا تفعيل قرار وزارة المالية الذي صدر في عهد الوزير سمير رضوان بشأن إعفاء المعاقين من دفع ضرائب وجمارك للسيارات المجهزة الخاصة بهم، مؤكدا أن هذا القرار تم وقفه في عهد الرئيس المعزول محمد مرسى دون سبب وحتى الآن لم يتم تفعيله.

ويوضح نائب رئيس نقابة المعاقين، أن المعاق لن يتمكن من دفع مبلغ 46 ألف جنيه ثمنا للسيارة المجهزة الواردة من الخارج لعدم وجود دخل له، بجانب الأزمة الكبيرة التي يعانون منها في “الكومسيون الطبي” وهو المسؤول عن الكشف علينا لكى يحدد لياقاتنا للحصول على السيارة المجهزة، لافتا إلى ارتفاع سعر الكشف الطبي 500 جنيه، وهو ما يصعب على المعاق توفيره في كثير من الأحيان.

فئة المظاليم

صفاء مهنا، نائب وكيل وزارة التضامن الاجتماعى بالإسكندرية، تقول إن فئة قصار القامة فئة مظلومة، لافتة إلى أنه قبل إنشاء جمعية رعاية الأقزام لم يكن يصل صوتهم للوزارة أو المسؤولين.

وأوضحت أن تلك الجمعية أوصلت صوتهم للحكومة، وسوف يتم النظر في تلبية كافية احتياجاتهم لأنهم جزء من الدولة وستقف الدولة بجوارهم حتى النهاية.

 

 

 

الوسوم