البحيرة المقدسة هكذا سماها الملك مينا موحد القطرين لأن سمكة كبيرة أنقذته بعد أن كاد يغرق أثناء سباحته في “بحيرة قارون”.

وكان الملك فاروق يستقبل رؤساء وملوك العالم على ضفافها خاصة في فندق أوبرج الفيوم، تبلغ مساحة هذه البحيرة 55 ألف فدان، وكانت مساحتها قديما حوالي 2800 كيلو متر مربع أي ما يقرب من مئة ضعف المساحة الحالية، ويبلغ عدد القوارب التي تعمل بها 605 قوارب يتعيش منها 5500 صياد.

وتعتبر بحيرة قارون بحيرة صناعية داخلية مغلقة تقع في الشمال الغربي لمحافظة الفيوم، وكانت مياهها عذبة قبل إدخال نظام الري المستديم في عهد محمد علي، زادت درجة الملوحة في البحيرة إلى 12 ألف جزء في المليون سنة 1928، ثم ارتفعت بشكل مضطرد عاما بعد آخر حتى وصلت إلى ما يقرب من 31 ألف جزء في المليون سنة 2013. هذه المساحة الكبيرة من المسطح المائي لا تستفيد منه محافظة الفيوم، بربع كفاءتها السابقة.

حيث تعتبر البحيرة بمثابة مصرف العموم للفيوم، ويقدر المتوسط السنوي للمياه التي تصرف فيها بحوالي 365 إلى 400 مليون متر مكعب، وهي تعادل تقريبا نسبة البخر من البحيرة في العام الواحد، ويمثل كلوريد الصوديوم نحو ثلث ملوحة البحيرة، والشواطئ الجنوبية والشرقية للبحيرة أقل ملوحة من شواطئها الشمالية والغربية.

وتذهب حوالي 69 % من مياه الصرف إلى بحيرة قارون، ويقدر ما يلقى فيها من مياه الصرف بحوالي 390 مليون متر مكعب حاملة معها أملاحا تقدر بحوالي 700 طن سنويا معظمها أسمدة كيماوية، ومبيدات حشرية، وبعض أملاح الصرف الصحي.

وبسبب التدهور الذي تعانيه البحيرة، الذي انعكس سلبا على إنتاجيتها من الأسماك، انتقل الكثير من صيادي البحيرة للعمل في مهنة الصيد بمحافظات أسوان والبحر الأحمر والسويس، ولم يفلح إنشاء شركة لاستخلاص الأملاح الزائدة من مياه البحيرة في العودة بإنتاجها من الأسماك، وما حدث كان العكس فقد زادت الطين بلة ولم تتناقص درجة الملوحة درجة واحدة نتيجة لأسباب كثيرة منها أن الشركة تم بناؤها فوق بطنة أبوكساه، وهي منطقة تفريخ الأسماك الرئيسية للبحيرة. أيضا من العوامل الكثيرة التي أدت إلى تدهور إنتاج البحيرة، زيادة نسب تلوث مياه البحيرة بسبب إلقاء مخلفات الصرف الصحي والزراعي في مياهها، وهو ما أدى إلى ارتفاع ملوحة المياه والقضاء على التركيب الإيكولوجي بها.

وقد قدمت دراسات بيئية مجموعة من الحلول للحفاظ على البحيرة وخفض نسب التلوث بها، الذي لو ترك هكذا ستتحول “البحيرة المقدسة” إلى مستنقع كبير، من بين هذه الحلول إنشاء محطة لمعالجة مياه الصرف الزراعي التي تدخل إلى البحيرة خاصة التي تدخل عن طريق مصرفي الوادي والبطس بسنورس، ومنع الصيد الجائر بالبحيرة خاصة صيد الزريعة الذي يتم في غياب الرقابة عن طريق شباك صغيرة تسمي “الهبلة” يستخدمها بعض الصيادين ويقومون ببيع الزريعة إلى أصحاب المزارع الخاصة.

إضافة إلى تشديد الرقابة والمتابعة على عملية ضخ مئات الآلاف من الزريعة في البحيرة، التي تتم كل عام منعا لعمليات التلاعب في حصص هذه الزريعة التي تقدمها وزارة الزراعة وتضيع بين الوزارة والهيئة العامة للثروة السمكية، وتنظيف البحيرة وتعميقها بواسطة كراكات عملاقة تعمل على تكريك قاع البحيرة الذي ارتفع بشكل ملحوظ، وضرورة معاقبة وتطبيق القانون بشكل صارم على أصحاب المشروعات السياحية الذين يلقون المخلفات الصلبة والسائلة داخل البحيرة، وفتح قنوات على الساحل الشمالي للبحيرة لاستيعاب كميات المياه التي تدمر الأراضي الزراعية الواقعة على الساحل الجنوبي للبحيرة، والاهتمام بالجانب التوعوي للسكان المحليين والصيادين عن طريق عقد ندوات ومؤتمرات تثقيفية توضح أهمية الحفاظ على البحيرة، وإيجاد آلية لحل المشكلات التي تواجه البحيرة الآن ومستقبلا.

كما يجب إجراء بحوث بيئية تشمل دراسات فيزيائية وكيميائية وبيولوجية للبحيرة، ودراسة الآثار المترتبة على التلوث نتيجة للمبيدات والمعادن الثقيلة من الصرف بنوعيه، وتصميم سياسة مائية لتغذية البحيرة بمياه النيل حتي يمكن الحفاظ على مستوى ملوحة البحيرة الحالي، فلا تتحول إلى بركة ميتة في المستقبل، وابتكار الوسائل العلمية للتخلص من الطحلب الأحمر الذي يؤدي إلى زيادة تكوين كبريتيد الأيدروجين السام ونقص الأكسجين اللازم لتنفس الأسماك، وإدخال أنواع جديدة من الأسماك البحرية التي تتحمل الملوحة العالية،  ولا بد من إحداث التغيير اللازم لجو البحيرة بالتوسع في التشجير على شاطئ البحيرة، لتقليل البخر لضمان عدم الاستمرار في ارتفاع ملوحة مياه البحيرة.

بقلم – طارق محمود

صحفي وشاعر