المحارب الصوفي ابن دشنا يروي ذكرياته في حرب أكتوبر: دفنت نفسي في الرمال 28 يوما بعد الهزيمة وشربت البول في الصحراء

المحارب الصوفي ابن دشنا يروي ذكرياته في حرب أكتوبر: دفنت نفسي في الرمال 28 يوما بعد الهزيمة وشربت البول في الصحراء
كتب -

قنا- مصطفى عدلي:

يعترف العريف مجند عبد الحميد حسن الصغير القاضي، ابن قرية أبومناع بحري، التابعة لمركز دشنا، أن طريقة الصوفية الرفاعية التي يعتنقها في غرس السيوف في الوجنات والتهام النيران ومصاحبة الأفاعي والسيطرة عليها أفادته وقت دخوله الجيش الذي استمر لمدة 6 سنوات متصلة.

ومع مناسبة احتفالات أكتوبر، يتذكر القاضي تجاربه ومعاينته لأهوال النكسة في كتيبته بالعريش، مرورا بذهابه لمدة عامين للخدمة العسكرية في الأردن لحماية الضفة الشرقية العربية من غارات الإسرائيليين، وانتهاء بدخوله حرب 73 في سلاح الطيران المصري، حيث يسرد العريف مجند، وقتها، عبدالحميد حسن الصغير القاضي، قصة كفاحه في سبيل الوطن في أسرار يرويها للمرة الأولى لـ”دشنا اليوم”.

يقول القاضي: “دفنت نفسي في الرمال لمدة 28 يومًا بعد هزيمة 1967، حيث كنت أسير ليلا أنا وزملائي باستخدام البوصلة، وكان علينا في النهار دفن أنفسنا والتواري، ونكون مثل جسد الصحراء وصخورها، فأي رؤية لأفعالنا سيكون مصيرنا إما الوقوع في الأسر أو قيام الإسرائيليين بجعل الدبابات تمر على أجسادنا وتسحقنا، وإما أن نموت في الرمال ونتحلل بداخلها، بينما في الليل علينا أن نسير ونقطع صحراء العريش في الاتجاه إلى الإسماعيلية وتسليم أنفسنا لأقرب كتيبة”.

يقول القاضي إنه طوال الـ28 يوما كان طعامهم حشائش الصحراء، بينما يكون الشراب هو البول أو وضع حصى على اللسان لدر الماء، مضيفا أن أهله تعاملوا معه على أنه ميت وأقاموا سرادق عزاء عليه في بلدته، مشيرا إلى أن ذويه لم يبدؤوا في البحث عنه إلا حين أكد لهم أحد أهالي القرية بأن عليهم أن يتأكدوا ويرتحلوا للقيادة المركزية في الجيش، وهذا كان للأسف بعد إقامة السرادق وتلقي العزاء.

ويضيف القاضي: “كان إعطاء إجازة لجندي ينتمي لسلاح الطيران هو نوع من المغامرة، خاصة بعد النكسة مباشرة، فالشعب المصري كان يري أن سلاح الطيران سبب رئيسي في الهزيمة التي لحقت بنا من إسرائيل، وكان أي مواطن يعاتب أي جندي في سلاح الطيران ويلقي الهزيمة علي أكتافه، ومن المصادفة الغريبة أن سلاح الطيران هو سبب الضربة الأولى التي قادتنا للعبور حين أخذنا القرار لمفاجأة العدو وشل حركاته”.

ويتابع: “أن تكون مقاتلا وصوفيا مصريا فأنت تمارس التصوف الحق في كل لمحة عين في حرب 1973، فكل لمحة هي موت واستشهاد، وكل لمحة تعني الخضوع للمقادير، وكل لمحة تعني الصمود في الحق والقتال من أجله”.

ويضيف: “هناك حملت الجنود الشهداء، وهناك نظرت بعيني باندهاش وحزن حين أخذت قذيفة رأس زميلي فسار يمشي صارخًا صرخة الموت الأخيرة دون رأس، فأن تكون مقاتلًا مؤمنًا بالقضاء والقدر، فأنت وصلت إلى أن تسير بالقرب من الولاية التي يطمح فيها الراسخون من أهل التصوف والتي لا تأتي إلا بعد معاناة وعذاب، فالقتال من أجل الوطن أسمي درجات العبادة”.

ويوضح القاضي أن “العدو الإسرائيلي الذي استمر في شن غاراته لمدة عام كامل على كتيبتي التي ارتحلت إليها بعد النكسة في السويس كان عدوا خائفا ومرتعبا وكان يخفي نفسه وراء الصخور، ويرتعد خوفا من هتافنا الله أكبر، وكان يسلم نفسه لنا طواعية ولم ينقذه إلا تدخل الأمريكان الذين غذوا الجيش الإسرائيلي بأسلحة حديثة متطورة، ورأيت بنفسي خنوع وخوف الجنود الإسرائيليين بعد عبور القوات المصرية لسيناء وهي ترفع العلم المصري”.

يذكر أنه بعد خروج البطل عبدالحميد القاضي، إلى المعاش، تم تعيينه في إحدى المدارس، ويشغل حاليًا منصب نائب الطريقة الرفاعية.