المبادرة المصرية: قانون بناء الكنائس يعزز سياسة التمييز ويصادر حق المواطنة للأجيال المقبلة

المبادرة المصرية: قانون بناء الكنائس يعزز سياسة التمييز ويصادر حق المواطنة للأجيال المقبلة كنيسة قرية شطب بأسيوط - تصوير أحمد دريم

تصوير : أحمد دريم

أعربت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية عن قلقها الشديد من إقرار مجلس النواب المصري لقانون بناء وترميم الكنائس أمس الثلاثاء، دون حوار مجتمعي وبعد ثلاثة أيام فقط من إرساله من قبل الحكومة، محذرة في الوقت ذاته من أن هذا القانون ربما يهدر حقوقًا أساسية أقرها الدستور، ويصادر حريات وحقوق الأجيال القادمة.

وفي بيان لها عبر موقعها الإلكتروني اليوم الأربعاء انتقدت المبادرة المصرية طريقة التعامل مع القانون التي غلب عليها استبعاد أصحاب المصلحة الحقيقيين وفرض أجواء من السرية على المناقشات بين الحكومة وممثلي الكنائس، وتحديدًا مع دائرة ضيقة من رجال الدين لا يزيد عددها عن أصابع اليد الواحدة، مع تهميش الخبراء القانونيين وممثلي المجتمع المدني، بل ونواب البرلمان أنفسهم.

طريقة سرية

واعتبرت المباردة أن هذه الطريقة في إصدار القانون التي اعتبرتها “سريّة” تشير إلى أن القانون صدر لغرض شكلي، وهو استيفاء الاستحقاق الدستوري المنصوص عليه في المادة 235 من باب اﻷحكام العامة واﻻنتقالية، بغض النظر عن السعي لتحقيق مضمون هذا النص والهدف منه، مشيرة إلى أن هذا السلوك ينتهك حق المواطنين في المعرفة.

وقالت المبادرة في بيانها “تعاملت الحكومة على أن قيادات الكنائس الثلاث الكبري هم المعنيين فقط بالقانون، في حين أن قانونًا على هذه الدرجة من الخطورة يهم كل المواطنين وليس المسيحيين منهم فقط، وبالطبع ليس رجال الدين فقط”.

وكانت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تواصلت مع نواب البرلمان خلال اﻷسابيع الماضية في محاولة لحثهم على رفض مسودة القانون أو إدخال تعديلات جوهرية عليها، وأطلقت كذلك حملتها “مغلق لدواعٍ أمنية” عن معضلات بناء الكنائس وعلاقتها بتفشي ظاهرة العنف الطائفي والتي تضمنت توثيقًا لعدد ضخم من حوادث العنف الطائفي المرتبطة بمسألة بناء الكنائس ومعايير مقترحة لخروج القانون على النحو الذي ينزع فتيل تلك اﻷزمات.

وأضافت المبادرة “لكن محاولات المشاركة الجدية في الحوار حول القانون لم تجد آذانًا مصغية، في ظل منهج للحكم يضيق بالمجتمع المدني الحقوقي، وبكافة المؤسسات المدنية والديمقراطية بشكل عام، ويعتبرها في خانة خصوم الدولة وليست شريكًا يعتد به في الحوار حول مستقبل هذا الوطن”.

احترام الحق في البناء

وقال إسحق إبراهيم مسؤول ملف حرية الدين والمعتقد في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية “كان يجب أن يقتصر دور الحكومة على احترام الحق في البناء، وتعزيزه بما يكفل حرية ممارسة الشعائر الدينية، لكن القانون يمنح سلطات واسعة للسلطة التنفيذية في انتهاك حق بناء وترميم الكنائس، ويبسط أيدي الأجهزة الأمنية على منح التراخيص، ومراقبة الأنشطة وأية تعديلات على المباني الدينية”.

وأضاف إبراهيم أن القانون مليء بالألغام التي ستمثل عائقًا ليس فقط أمام بناء الكنائس، ولكن أمام ترميمها وتوسيعها، وكان على مجلس النواب أن يقوم بدوره بفتح نقاش جدي حول مواد القانون لا أن يقره كما جاء من الحكومة.

ووفق بيان المبادرة فإن المواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تشكل بحكم نص المادة 93 من الدستور الحالي مكونًا أصيلًا من مكونات التشريع المصري، ومباديء الدستور اﻷخرى، يجب أن يكون بناء دور العبادة متاحًا لجميع المواطنين بدون معوقات، وهو ما كان يقتضي أن تقتصر شروط بناء دور العبادة على الإجراءات البنائية العامة المعمول بها في كل منطقة جغرافية، مع عدم وضع قانون خاص لتنظيم حق ممارسة الشعائر الدينية، أو على أقل تقدير أن يوضع قانون عام لتنظيم بناء دور العبادة، يساوي بين المواطنين من أتباع الديانات المختلفة، ولا يفرق بين ديانة وأخرى.

رسالة تمييزية

المباردة اعتبرت أيضًا أن صياغة قانون خاص لتنظيم بناء الكنائس يحمل في طياته رسالة تمييزية من الدولة بأنها تفرق بين مواطنيها المسيحيين ومواطنيها المسلمين، مضيفة أنه في الوقت الذي تتيح بناء المساجد بشروط لها علاقة بمواصفات البناء والتبعية لوزارة الأوقاف تفرض على الكنائس شروطًا إضافية أهمها الحصول على رخصة من محافظ الأقليم بالموافقة على القيام بالشعائر الدينية في المكان.

وأوضح بيان المبادرة أنه إذا كان الدستور قد نص على وجوب صدور قانون خاص لبناء الكنائس فلا يجب أن يكون القانون مختلفًا في أهدافه عن القوانين المنظمة لبناء المساجد، على أن توجد معايير لضمان المساواة، وعدم التمييز، إذ لا يجب أن يتيح أحد هذه القوانين البناء، بينما يفرض القانون الآخر معوقات أمام البناء والترميم.

المادة التاسعة

ووضع القانون في المادة التاسعة خمسة شروط يجب توفرها في هذه المباني للموافقة على دراسة حالتها من أجل توفيق أوضاعها، هي:

1- “ثبوت سلامة المبني الإنشائية”، وهذا الشرط لا ينطبق على مئات الكنائس التي بنيت منذ عقود طويلة بمعرفة أجهزة الدولة ويصلى فيها، وحالتها متهالكة، وقد قدمت عشرات الطلبات لهدمها وإعادة بنائها، و تعنتت الجهات المعنية في منحها التراخيص اللازمة، كما لا ينطبق هذا الشرط على “كنائس المنازل” الموجودة في الريف ومبنية بالطوب اللبن مثلًا.

2- “إقامة المبنى وفقا للاشتراطات البنائية المعتمدة”، وهو ما يقف كذلك أمام توفيق أوضاع الكنائس الموجودة في القرى المصرية والمناطق العشوائية، والتي لا تطبق فيها قوانين البناء وخارج نطاق التخطيط العمراني.

3- “الالتزام بالضوابط والقواعد التي تنظمها شؤون الدفاع عن الدولة”، وهو شرط غير مفهوم من حيث المعنى والمضمون، و من حيث علاقته بمنح التراخيص اللازمة لكنائس قائمة بالفعل.

4- القوانين المنظمة لأملاك الدولة العامة والخاصة.

5- “تقديم الطلب خلال عام من تاريخ العمل بالقانون”، حيث لا تنظر اللجنة الطلبات التي تقدم بعد ذلك.

ووفق بيان المبادرة، فإن صياغة المادة التاسعة في شكلها الحالي تهدر الهدف الأساسي التي وضعت من أجله، وتخرج مئات الكنائس من إطار توفيق أوضاعها، وهى كنائس قائمة بالفعل، وكان يجب أن ينص القانون على أن تقدم قائمة الكنائس وتصدر لها التراخيص بدون أية شروط وبدون لجنة حكومية تتولى الأمر.

واختتمت المبادرة بيانها قائلة إن القانون بصياغته الحالية، هو إعادة إنتاج للأمر الواقع والخاضع لهيمنة نصوص قانونية بآلية تنتمي للقرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين مثل الخط الهمايوني وشروط العزبي باشا، بما يتضمناه من شروط قاسية ومعوقات أمام بناء الكنائس، وبذلك لن يحقق القانون هدفه الأساسي بالقضاء على الجذور المسببة للتوترات الطائفية وإلغاء أحد أوجه التمييز القانوني الذي دأبت الدولة على إعادة إنتاجه.

ورأت المبادرة أن القانون لم يكن هدفًا في ذاته لكن من المفترض أن يكون وسيلة لضمان ممارسة الشعائر الدينية للمسيحيين، وما يزيد من خطورة الموقف الحالي أننا قد انتقلنا من ممارسات أمنية وإدارية غير قانونية إلى قانون مشوب بعوار دستوري إذ يهدر حقوقًا أساسية أقرها الدستور، ويصادر حريات وحقوق الأجيال القادمة لاسيما أن مثل هذا القانون سيستمر لفترة طويلة، ومن الصعوبة بمكان تغييره.

للإطلاع على المزيد من بيان المبادرة قراءة في قانون بناء الكنائس

الوسوم