المؤرخ حسين العشى: المقاومة تسكن فى جينات السوايسة

المؤرخ حسين العشى: المقاومة تسكن فى جينات السوايسة
كتب -

السويس – على أسامة:

يرى المؤرخ السويسى حسين العشى أن السوايسة بطبيعة تكوينهم يرفضون القهر والظلم، وأن المقاومة تسكن فى جيناتهم الوراثية، لذلك كانت المحافظة نقطة فاصلة فى الثورة على نظامى مبارك والإخوان، كما كانت قاعدة المقاومة الشعبية فى حرب الاستنزاف، إلا أنها ظلمت فى التاريخ الحديث ليعانى شبابها البطالة بعد أن كانت قطعة من أوروبا قبل مائة عام.

والعشى من أبناء السويس، حاصل على ليسانس آداب قسم تاريخ من جامعة القاهرة، ومهتم بدراسة المحافظة والتأريخ لها.

 

* ما سر اهتمامك بتأريخ أحداث السويس؟

أثناء دراستى للتاريخ فوجئت أن للسويس تاريخ عريق لم يلق الاهتمام الذى يستحقه، فتاريخها يرجع إلى 5 آلاف عام مضت، وكتب التاريخ تتحدث عن السويس سواء الفرعونى أو الإسلامى أو البيزنطى، والكثير من الأحداث الهامة مرتبطة بالسويس، وتظهر العراقة فى تعدد أسمائها من هيروبولس إلى أرسونوى ثم كلزميا التى تحولت لتل القلزم، وأخيرًا السويس.

 

* وما سبب تسميتها بالسويس؟

كان هناك ضاحية فى المحافظة تدعى السويس واختلف المؤرخون فى سبب تسميتها بهذا الاسم، فالبعض يقول إنها نسبة لأحد ملوك الفراعنة القدماء والذى يدعى يوسفيس و الاسم الشعبى له الملك سوس.

وهناك مقولة أخرى أن عبد الله الغريب الذى دافع عن الحجاج فى السويس ضد قطاع الطرق كان يقول لجنوده قاتلوا سواسية.

 

* كيف ترى تأثير السويس على التاريخ المعاصر؟

لو نظرنا على الأحداث القريبة سنجد للسويس دور مؤثر، فهى كانت أحد أضلع النضال ضد الاحتلال الإنجليزى، وكذلك هى عامل مشترك فى كافة الصراعات المصرية الإسرائيلية، حيث أنها بحكم جغرافيتها- كأول وأهم تجمع سكانى شرق مصر- كانت دائمًا نقطة الصدام الأول بين مصر وأى غازٍ من الشرق، بدءً من الهكسوس وصولا لإسرائيل، حتى أن تاريخ السويس المعاصر به ثلاثة أعياد قومية.

الاول كان 8 ديسمبر، الذى يوافق ذكرى موقعة كفر أحمد عبده ضد قوات الاحتلال البريطانى فى 1951، التى وجهت إنذار لمحافظ السويس بتسليم الفدائيين فى المحافظة، وحينما رفض قامت بتدمير منطقة كفر أحمد عبده كاملة، ومن هنا كتبت كتابى الأول باسم “معركة كفر أحمدعبده” لسرد تفاصيل العمليات الفدائية ضد الإنجليز، والغريب فى هذه المعركة أن من قاموا بالدفاع عن المحافظة أغلبهم طلاب وأصحاب المهن البسيطة مثل الخبازين والبنائين والنقاشين.

ثم تغير عيد السويس القومى إلى 22 مارس، الذى يواكب جلاء أول معسكر إنجليزى عن منطقة القناة سنة 1955وكان فى منطقة الشلوفة، التى جاء إليها الرئيس عبدالناصر لرفع علم مصر هناك بنفسه.

وظلت السويس تحتفل بهذا العيد حتى عام 1974؛ حينما جاء الرئيس أنور السادات- بعد انتصار أكتوبر- وأقر يوم 24 أكتوبر عيدًا قوميًا للمحافظة وعيدًا للمقاومة الشعبية فى كل مصر.

 

* حدثنا عن كتبك الأخرى.

كتابى الثانى هو “خفايا حصار السويس” وكان عقب انتهاء حرب أكتوبر، وطبع منه 4 طبعات نفدت جميعها، ثم كتاب “غناوى ولاد الأرض” الذى ذكرت خلاله أغانى الكابتن غزالى وقت الحرب، ثم اكتشفت أن هناك علماء وروساء جامعات وفنانين من أبناء السويس لا يعلم عنهم أحد شيئًا، فأصدرت كتابى “رجال صنعوا تاريخ السويس”، وبصدد إصدار الجزء الثانى منه، وهناك كتاب أيضًا باسم “سنوات الحب والحرب” عن فترة الاستنزاف.

 

* أين دور الأجهزة الحكومية فى التأريخ للسويس؟

للاسف تركت هذه المسألة للجهد الشعبى، وأنا قمت بتشكيل لجنة من المهتمين بالأمر لدراسة تسجيل تاريخ السويس، وعلى ذكر المثال مدرسة الشهيد شادية سلامة، التى لا يعرف الطلبة بداخلها من هى الشهيدة شادية، مع أنها أحد أفضل أشجع الشخصيات فى مصر، حيث استشهدت أثناء اختطاف طائرة مصرية فى قبرص، وكان هناك رسالة يجب إيصالها للخاطفين، وخاف معظم الرجال من إيصال الرسالهة إلا أنها تطوعت وكانت تعلم جيدًا أنها إن ذهبت إليهم سيقتلونها، وهذا ما كان، حتى أن رئيس الوزراء المصرى آنذاك بكى فى البرلمان وهو يروى قصتها وتمنى أنه كان عنده مثل شجاعتها، ولهذا قررت طباعة كتيب يوزع على الطلبة داخل المدرسة لرواية قصتها.

 

* فى رأيك.. لماذا كانت السويس نقطة فارقة فى ثورتين ضد مبارك ومرسى؟

السوايسة بطبيعة تكوينهم يرفضون القهر والظلم، بداخلهم جينات رفض الذل والظلم.

وهناك ظروف اقتصادية فى منتهى الصعوبة، حيث أن أغلب شبابها يعانون البطالة، رغم أن السويس زاخرة بفرص العمل لكن ليس لأهلها، والسر يرجع إلى سعى رجال الأعمال لدخول المجالس البرلمانية، واستعانتهم بشباب من دوائرهم الانتخابية لضمان أصواتهم فى الانتخابات على حساب أبناء السويس.

لهذا خرج أهل السويس للدفاع عن رزقها، ورفض الظلم والتناقض بين زيادة معدلات البطالة وكثرة فرص العمل، إضافة للعلاقة السيئة بين الشرطة وأهالى السويس، خاصة قسم الأربعين الذى اعتبر سلخانة للتعذيب، مما دفع السويس لتكون أول محافظة تطالب بسقوط مبارك وتقديم أول شهيد فى الثورة.

وكذلك بالنسبة لمحمد مرسى، الذى لم يقدم أى جديد للسويس، فعلى الرغم من وعده أن تكون السويس أول محافظة يزورها عقب انتخابات الرئاسة، إلا أنه حنث بوعده ولو يزرها قط.

 

*لماذا كره مبارك السويس؟

السويس لم تهتف قط إلا لجمال عبدالناصر الذى أشاد بالسويس، وكذلك الرئيس أنور السادات الذى أشاد بدور السويس فى الحفاظ على الدول العربية فى 24 أكتوبر، أما حسنى مبارك فكان بمعزل عن الناس، على الرغم أنه حاول أن يوصل فكرة مخالفة عند ذلك فى بداية حكمه، ولكن الطبقة المنتفعة تمكنت من عزله عن الشعب الذى لم يكن يتعرف على مشكلاته إلا من زيارات كوميدية للمصانع، ولم تطأ قدماه السويس طيلة 30 عامًا إلا للوصول لمنطقة عجرود أو الميناء فقط.

 

* حدثنا عن دور السويس خلال انتفاضة 1977.

السويس تعتبر من أولى المحافظات التى تثور سواء مع العاصمة أو قبلها، وكان للسويس دور فعال خلال الانتفاضة، حتى أن الرئيس السادات زارها وخطب فى المجلس المحلى وقال: لم يحزننى قدر ثورة السويس ضدى، وحتى لم يحزننى ثورة القاهرة. ثم قال إنه جاب البلدان العربية عقب الحرب، ليشحت باسم السويس فأنشأ مدينة الصباح نسبة للشيخ الصباح، ومدينة فيصل نسبة للملك فيصل.

 

* هل تعتبر هذه الفترة الأصعب فى تاريخ السويس أم هناك فترات أسوأ؟

هذه هى الفترة الأخطر؛ لأنها موجهة اقتصاديًا فالسويس أكبر غابة صناعية فى الشرق الأوسط كله، وللأسف الاقتصاد فى مصر وصل لدرجة الصفر، ولهذا الأمل فى زعامة جديدة لمصر مثل المشير السيسى، الذى يجب أن يشحذ همم المصريين للعمل.

 

* ماذا عن آثار السويس؟

مهملة؛ مثل قصر محمد على الذى إذا كان فى القاهرة لكان اختلف حاله، فهذا القصر بناه والى مصر محمد على وكان مقر الحكم فى المحافظة، ومركز إرسال الاساطيل لمحاربة الوهابية فى شبه الجزيرة العربية، وتحول القصر لمسكن القمامة والخفافيش والأعمال المنافية للآداب العامة، وهناك كذلك أديرة تاريخية مهملة فى السويس، وهناك قلعة عجرود الموجودة من عصر صلاح الدين الأيوبى والمستخدمة فى الدفاع عن طريق الحج، وكذلك مقر قناة أمير المؤمنين القديمة.

 

* ما هى روشتتكم للرئيس القادم ليرضى عنه أهل السويس؟

يحاول فى البداية القضاء على أسباب الثورة داخل المحافظة، فعليه أن يعطى نصيبًا عادلًا لشباب السويس فى فرص العمل، والاهتمام بالسويس حضاريًا، التى كانت من 100 سنة تبدو كقطعة من أوروبا، قبل أن يهملها كل المسؤولين الذين إذا أدوا نصف دورهم لنهضت السويس، التى لا تحتاج إلا لتسليط الضوء عليها فقط.