كيف وصلت إلينا “اللهجة الصعيدية” من رحم “المصرية القديمة”؟

كيف وصلت إلينا “اللهجة الصعيدية” من رحم “المصرية القديمة”؟ تعبيرية

أينما كنت، فأنت لست بحاجة إلى أن تبذل مجهودًا لتميّز اللهجة الصعيدية من بين غيرها من لهجات العامية المصرية، بينما الصعيدي الأصيل بطبعه يستطيع أن يفرق بين عدة لكنات استوعبتها لهجته الأم، اللهجة الصعيدية.

وعندما تسمع ألفاظًا مثل: دلوج ودلوجيت ودلجِيت ودلوجتي، فاعلم أن المعنى واحد ويعني “الآن أو “هذا الوقت”، إلا أنه يمكن أن نميز بين أربعة أماكن مختلفة، والأمثلة في ذلك يصعب حصرها، ففي قنا مثلا لا يتحدثون مثل سوهاج وفي سوهاج لا ينطقون الحروف كما ينطقها الأسايطة، بل في كل محافظة يمكن أن نميز بين عدة لكنات أخرى.

وعلى أية حال فإننا نستطيع التمييز بين أكثر من لهجة في العامية المصرية، تتوزع هذه اللهجات جغرافيًا على مناطق بعينها، وبحسب القس شنودة إسحاق، أستاذ العهد القديم بالكلية الإكليريكية، فإن الاختلاف الحالي بين اللهجات يوافق جغرافيًا الاختلاف بين لهجات اللغة القبطية القديمة، مستشهدًا بقول أحد العلماء الفرنسيين أيضًا “إننا نجد فروقًا ذات بال بين قرية وأخرى، حتى ليمكننا أن نميز لهجة كل قرية عن الأخرى”.

ولأن اللغة القبطية الحالية ظلت حاضرة في العامية المصرية، الأمر الذي جعل عصام ستاتي، باحث في المصريات، يذهب في كتابه اللغة المصرية الحالية إلى أن المصريين هضموا العربية وأخضعوها بخفة إلى لغتهم القبطية، ولأن اللهجة الصعيدية هي واحدة من لهجات اللغة القبطية، فهي متأثرة بطبيعة الحال باللهجة الصعيدية في لغتها القبطية.

دلائل من العامية الحالية

يقول ستاتي إن المصريين لا ينطقون حرف الثاء بل يقلبونه تاء فيقولون اتنين وتلاتة، وهو ما يتوافق مع اللغة المصرية القديمة، التي لم تعرف حرف الثاء، بل نطقت ثيتا اليوناني تيدا، وقالت توماس بدلا من ثوماس، وقد تُقلب الثاء سينًا أيضًا.

مثل حرف الثاء حرفي الذال والظاء، اللذين خلت منهما القبطية، وهما حرفان لم تعرفهما القبطية، فماذا يفعل المصري إلا أن يرجع الحرفين إلى القبطية لينطق الذال دالا والظاء ضادا، لهذا يقول الصعيدي دلوجت التي حرفها من ذا الوقت، ويقول مدّايج “من الضيق”.

انتقلت اللهجة الصعيدية من الآباء للأبناء محتفظة بقواعد وألفاظ لا حصر لها
انتقلت اللهجة الصعيدية من الآباء للأبناء كأنها جينات وراثية محتفظة بقواعد عدة وألفاظ لا حصر لها

وفي اللهجة الصعيدية القديمة كان حرف “تشيما”ينطق جيما بين الكاف والجيم، مثلما ينطق أهل الصعيد اليوم حرف القاف، “ليه بقى؟” الإجابة: لأن المصرية القديمة ما عرفت حرف القاف، لذلك فلهجة الوجه البحري تنطقها ألفًا، وأحيانًا أقرب إلى الكاف، ولهجة الصعيد الحالية تنطقها أقرب إلى نطق الجيم القاهرية، وهو ما يتوافق مع اللهجات القبطية.

أما الألف المكسورة التي تأتي في أول كلام اللهجة الصعيدية مثل: امسمّع يعني مشهور وامجلع يعني مدلل وقولهم إحمد بدلًا من أحمد وامحمد بدلا من محمد، فالملاحظ أنه في كلمات اللغة المصرية القديمة يزاد حرف “إ” إلى أول الكلمة مع وجود نفس الدلالة أحيانًا عندما تقابل بالعربية، مثل إوتن بمعنى وطن، إقر بمعنى استقر أو سكن، إتم “إله الشمس يعني تم أو اكتمل.

يقول الدكتور علي خشيم، الباحث اللغوي، إن الأمر موجود في بعض الألفاظ لكنه ليس قاعدة، إلا أن هناك أبحاث عللت ذلك المقطع بأنه يأتي مع الألفاظ التي تبدأ بساكن ولا يفصل بين ألفاظها حرف متحرك.

أما الدكتور يوسف زيدان، المتخصص في التراث العربي، فيقول في كتابه متاهات الوهم، فيقول إن اللغة المصرية القديمة في آخر أطوارها كان نسبة الأشياء فيها يأتي على نحو خاص، وهو إلحاق المقطع “إم” إلى بداية اللفظة، وربما يتشابه ذلك أيضًا مع أحد لهجات العرب من أهل اليمن وهي قلب اللام ميما فنقول إمبر بدلا من البر، ومن هنا جاءت تسمية إمبابة يعني البوابة.

وفي كتاب مقدمة في الفلكلور القبطي يرجع عصام ستاتي قلب حرف الجيم إلى دال، والشين إلى سين فنقول دردا بدلا من جرجا ونقول سمس بدلا من شمس، إلى تأثير اللهجة الصعيدية القديمة.

كما أن المصرية القديمة لم تعرف نطق حرف V  لذا فقد حولها المصري إلى B  لتتحول كلمة فيكتور إلى بقطر ويشوه “جيف مي” لتصبح “جيب لي” وفاسيلي يجعلها باسيلي، بحسب ما ذكره ستاتي.

لكن كيف وصلت إلينا اللهجة الصعيدية؟

في آخر أدوار اللغة المصرية القديمة، كتبت اللغة القبطية بحروف يونانية، فظهر الفرق بين اللهجات وأمكن التمييز بين 5 لهجات رئيسية، ولم تكن القبطية لغة قائمة بذاتها، بل يمكن اعتبارها هي الأخرى لهجة عامية جاءت تطورًا للغات مصرية أقدم، كما يصفها الدكتور علي خشيم في كتابه القبطية العربية.

هيئة اليونيسكو أصدرت مؤخرًا أطلس ضم اللغات المهددة بالانقراض وذكرت من بينهم "القبطية"
هيئة اليونيسكو أصدرت مؤخرًا أطلس ضم اللغات المهددة بالانقراض وذكرت من بينهم “القبطية”

ومع أن الدكتور علي خشيم اعتبرها “أي القبطية” لهجة، إلا أنه يرى أنه من الممكن تقسيمها إلى لهجتين رئيسيتين هما الصعيدية والبحيرية، وخمس أو ست لهجات صغرى هي الفيومية والأخميمية والأخميمية الفرعية الأسيوطية والبهنساوية والبشمورية والأقصرية وهي لهجة طيبة الأولية السابقة على الصعيدية، ومثل ماهو حادث الآن فإن أظهر لهجتين قبطيتين هما البحرية والصعيدية، وربما أهمهم.

مرة أخرى نعود إلى القس شنودة الذي يقول إن اللهجة الصعيدية كانت تسمى  لهجة طيبة أو الأقصر، وكانت في الأصل لهجة المنطقة من منف وسقارة إلى حلوان، وربما كانت أيضًا في طيبة، ثم سادت على لهجات وادي النيل.

ومع دخول العرب مصر أصبحت اللغة الأدبية الوحيدة في الصعيد، وظلت بجوارها الفيومية في الفيوم والبحيرية في الوجه البحري، وفي القرن التاسع الميلادي أصبحت اللهجة الرسمية للكنيسة المصرية، وبداية من القرن الرابع أصبحت لهجة الكتابة الأدبية في مصر.

وفي القرون التالية حلت محل اللهجات الأخميمية والأسيوطية والبهنساوية، في المناطق تلك التي تغطيها اللهجات، واستعملت في الكلام والمحادثات إلى قرب انتهاء القرن الثامن الميلادي، خصوصا في نواحي نقادة وقوص.

وفي العام 997 أصدر الحاكم بأمر الله قرارًا بإبطال الحديث باللغة القبطية نهائيًا، فتجنب المصريون الحديث بها، لكنهم استعملوها في القرى والصعيد، بعيدًا عن سلطة الحاكم.

يقول أحمد رشدي صالح، الباحث في الفلكلور، في كتابه الأدب الشعبي إن القرى والصعيد احتفظت باللغة القبطية بتراكيبها النحوية والصرفية والصوتية، مع عدد لا حصر له من الكلمات، منها ما ينتمي إلى الخط المصري الأول الهيروغليفي، ما يدل على ذلك أن المقريزي، الذي توفي عام 1442 ميلادية، يقول في المجلد الثاني من كتابه الخطط والآثار إن نساء الصعيد لا يكدن يتكلمن إلا بالقبطية الصعيدية، ولهن معرفة تامة باللغة الرومية “يقصد اليونانية”.

القس شنودة يقول إن طريقة نطق حروفها وتعبيراتها وقواعد إبدال والحذف والترخيم فيها ما زال مؤثرًا وحاضرًا، لذلك فهي أغنى اللهجات في كثرة النصوص والمخطوطات، حتى صار العلماء عندما يتحدثون عن اللغة القبطية بصفة عامة فإنهم يقصدون اللهجة الصعيدية، لأنها الأقدم والأغنى والأنقى فضلا عن وصفها بالمتعادلة والمتوسطة.

صورة قديمة لرجل بزي صعيدي أمام معبد دندرة بقنا
صورة قديمة لرجل بزي صعيدي أمام معبد دندرة بقنا

وفي العام 1911 نشرت طبعة للإنجيل باللهجة الصعيدية في سبعة مجلدات، وقد شهدت المخطوطات وجود أكثر من ترجمة صعيدية لبعض أسفار الكتاب المقدس في أماكن وعصور مختلفة، أما أقدم مخطوطات العهد القديم بالقبطية الصعيدية فترجع إلى القرن الرابع الميلادي.

لكن ما اللهجات الأخرى التي ضمتها اللغة القبطية غير الصعيدية؟

اللهجة الأخميمية

هي اللهجة المحلية لمنطقة أخميم الممتدة جنوبًا إلى الأقصر، وكانت منتشرة بجوار اللهجة الصعيدية، وقد تركت بصماتها عليها، ولهذه اللهجة تأثيرات على طريقة النطق في كثير من قرى محافظة قنا.

أما اللهجة الأخميمية الفرعية، فهي لهجة منطقة ليكوبوليس أي أسيوط، وتفرع منها أيضا عدة لهجات فرعية، واستعملت في المناطق من فاو إلى أسيوط.

كما أن إن هناك أسرًا ظلت تتحدث القبطية بلهجتها الصعيدية حتى مطلع القرن العشرين، بينما أبطل استعمال البحيرية حوالي القرن 12 ميلادية، غير أن ما حافظ عليها هو استعمالها في العبادات والكنائس.

أما اللهجة البحيرية

هي لهجة الوجه البحري، ويطلق عليها في المخطوطات “لهجة منف”، لكنها في الأصل لهجة غربي الدلتا، وبعد مجيء العرب انتشرت شرقا وجنوبا، ومع حلول القرن 11 وظهور لغة مولدة جديدة جمعت بين العربية والقبطية، أصبحت اللهجة البحيرية هي اللهجة الرسمية  للكنيسة، وبانتهاء القبطية الصعيدية كلغة للتخطب اليومي أصبحت القبطية البحرية هي لغة الصلوات في جميع الكنائس، وبمرور الوقت أصبحت اللهجة القبطية الوحيدة.

واللهجة البحيرية  كانت أكثر اللهجات المصرية تأثرا بالمفردات اليونانية، وأقدم نص مكتوب بها يرجع إلى 830 ميلادية.

اللهجة الفيومية

هي لهجة منطقة الفيوم وما جاورها من بلاد، واستمر استعمالها حتى القرن 15، ومن خصائصها إبدال صوت الراء إلى اللام في كثير من الكلمات نطقا وكتابة، وكان العلماء يطلقون عليها اللهجة البشمورية.

لهجة مصر الوسطى

وهي لهجة البهنسا وما حولها وامتدادها جغرافيا يقع بين منطقة اللهجة الفيومية شمالا ومنطقة الأسيوطية جنوبًا.

اللهجة البشمورية

وهي لهجة شمال الدلتا وتعد ضمن مجموعة من اللهجات البحيرية التي يتجه العلماء إلى تسميتها المنصورية، نسبة إلى المنصورة، وتوجد في هذه اللهجة مجموعة صغيرة من نصوص متأخرة غيرأدبية ترجع إلى  القرن الثامن وتتميز هذه اللهجة بأنها مكتوبة بالابجدية اليونانية دون حروف مستعارة من الديموطيقية، ومن تأثيرات هذه اللهجة على لغة المصريين الجيم غير المعطشة  أو التي تعرف بالجيم القاهرية.

والواضح أن اللهجة الصعيدية ما زالت تحفظ الكثير من اللغة القبطية، بجانب ظواهر صوتية كثيرة أيضًا، لتثبت  أنها تضرب جذورها إلى أعماق حضارية غاية في الثراء، حيث اللغة المصرية القديمة.

اقرأ المزيد من هنا:


مراجع وأسانيد

اعتمد هذا الموضوع على المراجع الآتية:

  •  القس شنودة ماهر إسحاق، استاذ العهد القديم بالكلية الإكليريكية، الأدب القبطي، القاهرة 1998.
  • عصام ستاتي، اللغة المصرية الحالية، الهيئة العامة لقصور الثقافة 2016.
  • أحمد رشدي صالح، الأدب الشعبي، دار النهضة، ط2، 1971.
  • يوسف زيدان، متاهات الوهم، دار الشروق 2013.
  • علي فهمي خشيم، القبطية العربية دراسة مقارنة بين لغتين، مركز الحضارة العربية.
  • مصدر الصور: CAIRO 969-1969، مجلد نشرته وزارة الثقافة المصرية 1969، باللغة الإسبانية، بمناسبة مرور  ألف عام على بناء القاهرة-
  •  voir l’egypte Henri Gougad et Colette Gouvion diffusio librarie franco- egyptienne al cairo 1985
الوسوم