العمالة المبكرة.. تقتل ربيع الطفولة بين أطفال سوهاج

العمالة المبكرة.. تقتل ربيع الطفولة بين أطفال سوهاج
كتب -

بيتر يساعد والده في أعمال المقهى.. وفاطمة تجمع المحصول مقابل 35 جنيه “يومية”

محمود وياسر يقضيان سنوات الطفولة بالعمل في المحاجر.. وقاسم يمر على المنازل لبيع الملابس

سوهاج – آيات ياسين:

تصوير – آيات ياسين:

داخل أسوار مدرسة الشهيد محمد عبد الجواد الابتدائية بقرية كوم غريب بمركز طما بسوهاج،  كثير من الحكايات عن عمالة أطفال القرية من أبناء تلك المدرسة والذين لا يتعدى عمر أكبرهم 12 عاما.

محمود وياسر وبيتر وفاطمة وقاسم وغيرهم الكثيرين، يجمعهم اللجوء للعمل إلى جانب التحصيل الدراسي، حيث أكد الأستاذ  أشرف، مدرس اللغة العربية أنهم من الأذكياء، رغم ظروف أسرهم المادية التي تجبرهم على العمل في أيام الدراسة وفي الأجازات ليوفروا لأنفسهم احتياجاتهم الخاصة وليساعدوا أسرهم الفقيرة.

داخل الفصل بدأ التلاميذ يتسابقون ليروي كل منهم ما هو عمله الذي يمارسه  خارج المدرسة، فتجد من يعمل في التجارة ومنهم من يعمل في الورش وأعمال البناء والمحاجر وعدد أخر يعمل في جمع المحاصيل الزراعية، وهو ما تفرضه طبيعة القرية وطبيعة الصعيد عموما، حيث أن الكثير من الأطفال يعملون كأنفار لجمع المحاصيل الزراعية كالقمح والطماطم والفول وغيرها حسب المواسم المختلفة.

في تلك القهوة الصغيرة التي تحوى عددا من الطاولات والمقاعد المتهالكة في  مدخل القرية يعمل بيتر، تراه يحمل  طلبات الزبائن ويتحرك ذهابا وإيابا دون كلل أو ملل.

 يبدأ يوم بيتر في السادسة صباحا، حيث يتجه لمدرسته لينتهي يومه في الثانية عشر ظهرا، فيخرج مسرعا إلى منزله على أطراف القرية، ليبدل ملابسه ويؤدي واجباته المدرسة بسرعة، ثم يتجه إلى القهوة ليبدأ في مساعدة والده عم زاهر في  تنظيف المكان وإعداد المشروبات وغيرها من تفاصيل العمل حتى الثانية عشر مساء، رافضا ترك والده وحده أثناء اليوم والعودة للمنزل لتناول الغداء، بل  يصر على تناوله مع أولاده داخل القهوة.

 إذا كنت من رواد تلك القهوة فلاشك أنك لاحظت الابتسامة الجميلة التي تزين وجه بيتر دائما، والتي تنم عن رضا، فهو يرى أن عمله مع والده هو سبب تفوقه في المدرسة، لأن الرب يساعده ويقويه، ولا يشعر بيتر بأنه أقل من  أقرانه في السن الذين لا يعملون ويعيشون حياة مرفهة، بل يرى أنه محظوظ لأنه يعرف في الصغر  أشياء كثيرة عن العمل والحياة، ما يجعله قادرا على مواجهة صعاب الحياة عند الكبر.

في نفس الفصل، ترى تلميذة نحيلة الجسم يديها مليئة بالشقوق التي تعكس المجهود الذي تبذله في عملها بجمع المحاصيل، حيث تركت الشمس أثراً واضحاً على  وجهها الصغير، إلا أنها تمرض كثيراً وتتغيب من المدرسة بسبب عملها، مما يؤثر بالسلب على مستواها الدراسي.. إنها فاطمة.

فاطمة فرد ضمن أسرة كبيرة، فلديها سبعة أخوة وأخوات غيرها، تحصل على أجرة يومية تصل إلى 35 جنيه وتختلف تباعاً للمحصول الذي تقوم بجمعه، نظرة الحزن لا تفارق عينيها التي لا ترفعها عن الأرض خلال حديثها عن عملها.

عمل المحاجر عمل شاق.. يصعب على الكبار تحمله ويتسبب لهم مع الوقت في كثير من الأمراض، ما بالك بالأطفال، إلا أن ذلك لم يمنع محمود وياسر من السفر في إجازة نصف العام وفي الإجازة الصيفية من كل عام  مع أعمامهم ليعملا في المحاجر بمنطقة حلوان.

محمود  يحمل على ظهره الصغير “العصفورة” ممتلئة بالحجارة، لينقلها من مكان لآخر، ليحصل على مبلغ يصل إلى 400 جنيه في الأسبوع.

 وياسر يؤلمه ظهره ويديه وكتفيه كثيراً، فيضع قطعة من القماش حول يديه وعلى كتفيه لتخفف من ألم حمل العصفورة الثقيلة، ولكن رغم تلك الظروف فهما يحبان المدرسة ويتمسكا بألا يمنعهما العمل من استكمال الدراسة.

يضحك  قاسم كثيراً أثناء  حديثه عن عمله في تجارة الملابس وسفره وتنقله بين البلاد مع والده ليحمل معه البضائع ويجوب على  قدميه ساعات طويلة بين المنازل يعرض ما لديه من ملابس للسيدات والأطفال على الأسر في القرى والنجوع البعيدة في قنا والأقصر وأسوان.