العشوائيات بيئة لنمو الجريمة تنذر بكارثة محققة فى الإسكندرية

العشوائيات بيئة لنمو الجريمة تنذر بكارثة محققة فى الإسكندرية
كتب -

الإسكندرية – عمرو أنور:

خلف المنظر الساحر لكورنيش الإسكندرية المشبع برائحة اليود يوجد ما لا يصدقه عقل أو منطق، حيث ما يقرب من 65 منطقة عشوائية أسقطها المسؤولون التنفيذيون من حساباتهم؛ فلم يعد أحد منهم يفكر في زيارة ميدانية لأي مكان عشوائي، وهم ينتظرون، فى مكاتبهم، التقارير اليومية لرصد النمو “السرطانى” لبيئة غير أمنة وغير صحية، وأحيانا يكتفون بتقارير شهرية ترصد استفحال ظاهرة تحول الإسكندرية من “عروس البحر المتوسط” إلى بؤر تتسع يوميا لتشكل مشكلة كبرى تتعاظم تكاليف وإجراءات علاجها، أو على الأقل الحد من انتشارها.

ويبلغ عدد مناطق الإسكندرية العشوائية 65 منطقة، حتى زحفت العشوائيات إلى مناطق لم يكن بها أي مشهد عشوائي، مثل محطة وشارع الفراعنة‏ والشاطبي والأزاريطة، وهي مناطق تشكل ما كان يطلق عليه الحي الملكي،‏ ففيه معالم تراث معماري عالمي، بكل ماتحمله الكلمة من معانى وقيم‏.. وهذه المناطق تتعرض لـ “جرائم” هدم مبانيها الآثرية الرائعة، وبناء المئات من المباني العشوائية حتى أصبح الحي نموذجا صارخا للتشويه المعماري المتعمد بمحافظة الإسكندرية‏.‏

ولم تختلف محطة الرمل عن مناطق مثل الطوبجية ووابور الجاز وكوم الشقافة وغيط العنب وكرموز ومساكن العرائس والعطارين.

“ولاد البلد” أستطلعت الظاهرة على أرض الواقع بداية من منطقة كوم الدكة، مسقط رأس موسيقار الشعب وإمام الملحنين سيد درويش، حيث لم تعد كوم الدكة مزارا سياحيا مثلما كانت عليه، فقد تم تشويهها بالعقارات الجديدة ذات الارتفاعات الشاهقة، الأمر الذي أثر على المنازل القديمة وتسبب في انهيار معظمها حتى كانت النتيجة تشريد عشرات الأسر نتيجة البناء العشوائي في المنطقة وسط غياب من مهندسي حي وسط ومحافظة الإسكندرية.

التقينا مصطفى علي، أحد سكان المنطقة، فقال: “منزلي انهار منذ 15 شهرا نتيجة حريق بداخله الأمر الذي شرد أسرتي المكونة من 5 أفراد وجعلني أقيم في كشك بحارة الكراكون المتواجدة بجوار الحي اللاتيني، وتحديدا بالقرب من مبنى القنصلية السعودية وفيلا عائلة رشيد وعائلة النجار”.

ويضيف، علي، البالغ من العمر 53 عاما: “لا أعرف إلى من أذهب؟ بعدما ضاقت بي كل السبل وسدت كل المنافذ في وجهي”، متابعا في حسرة “ذهبت لمحافظ الإسكندرية 50 مرة ولم يفعل لي أي شيء، أطالب المشير عبدالفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، بوضع حل جذري للعشوائيات التي تسيطر على أقدم مناطق الإسكندرية”.

وعودة إلى الحى الملكي واللاتيني اللذين أصبحا مظهرا للعشوائية ويسيطر عليهما الفوضى وتتكاثر فيهما أماكن تربية الماشية، حيث عبر الخبير الأثري، أحمد عبدالفتاح عن ذلك الواقع قائلا: “نعم تلك حقيقة مؤلمة بل جريمة لا يجوز السكوت عليها، وإن لم يحاكم مرتكبيها الآن فسيحاكمنا التاريخ فيما بعد، من يصدق أن يتحول أجمل أحياء العالم والذي يبلغ عمره 2500 عاما إلى ما وصل إليه من عشوائية، فهذا الحي الذي يطلق عليه الحي الملكي كان يتميز بالطرز المعمارية والمرافق العامة والفيلات والمباني والمدارس والحدائق، كل ذلك هو تلخيص لكل تراث العالم المعماري، بل الأكثر من ذلك فإن عمائر العالم حتى في إيطاليا وباريس على الرغم من فخامتها فهيئتها تبعث على الوحشة في النفس، أما مبانٍ الحي الملكي بالإسكندرية فتوحي بالأمل والتفاؤل بأحجامها المميزة وجمالها وخطوطها المعمارية التي تحيطها الحدائق الغناء بنباتاتها النادرة”.

وبحسرة يواصل عبدالفتاح: “كل هذا ذهب مع الريح بسبب البناء العشوائي في الإسكندرية دون رقابة صارمة من المحافظة وأجهزتها التنفيذية”.

وتوجد 10 مناطق عشوائية أخرى في قرى غرب الإسكندرية هي مناطق: قرية بهيج والصناقرة وفلسطين والجزائر والهوارية وبرج العرب القديم ومساكن مبارك ومساكن الهضبة الصينية.

ويشير إيهاب القسطاوي، منسق حركة “تغيير الإسكندرية”، إلى أن العشوائيات لن تحل إلا بقرار من الرئيس شخصيا لأن كل المحافظين المتعاقبين على الإسكندرية لا يعرفون أين تقع تلك المناطق حتى يزورونها، كما أن وسائل الإعلام لا تذهب لتلك المناطق بسبب غياب الأمن بها، فهناك مناطق تنتشر فيها السرقة بالإكراه نهارا جهارا مثل مناطق نجع العرب والطوبجية، كما أن هناك مناطق أخرى تنتشر فيها تجارة الأسلحة والمخدرات “عيني عينك” وسط غياب قبضة الأمن.

وحول أشهر المناطق التي شهدت جرائم منذ ثورة 25 يناير في الإسكندرية كانت منطقة عزبة نادي الصيد بمحرم بك الواقعة في نطاق حي وسط والتي شهدت أكبر عملية سطو مسلح على أحد المتاجر الكبرى الواقع على الطريق، وتم سرقة المتجر بالكامل أثناء أحداث الانفلات الأمني، كما توجد منطقة معمل الكتاكيت والتي تشهد إنتاج للأقراص المخدرة والتي تم ضبط عدد من ماكينات صنعها قبل ثورة 25 يناير بأشهر قليلة إلا أن المنطقة عادت مرة أخرى إلى نشاطها السابق، بالإضافة إلى أخطر مناطق بيع المخدرات بالإسكندرية، وهي: حارة اليهود والبقطرية بالمنشية والتي تعتبر من معاقل تجارة “الكيف” في المحافظة ولم يجرؤ أي ضابط أو حملة أمنية على دخولها نظرا لكثرة البلطجة والسلاح الناري بها.

 من جهته يقول العميد محمود قطري، الخبير الأمني، لـ”ولاد البلد” إن قبضة الأمن لا بد أن تعود في العشوائيات لأن البلطجة وفرض النفوذ والسيطرة زاد عن الحد عقب ثورتي: 25 يناير و30 يونيو، مضيفا أن هناك أماكن لا يجرؤ وزير الداخلية على الاقتراب منها وليس مديري الأمن أو الضباط.

ويحذر قطري من استمرار ترك العشوائيات دون خطة من الدولة لأنها تعتبر معامل لتفريخ مجرمين ولصوص وقتلة، وإرهابيين أيضا.