العشوائيات أكثر تعقيدا مما تبدو فى الظاهرة و”زرزراة” بورسعيد دليلا

العشوائيات أكثر تعقيدا مما تبدو فى الظاهرة و”زرزراة” بورسعيد دليلا
كتب -

بورسعيد – محمد الحلوانى:

يبدو أن ظاهرة “العشوائيات” أكثر تعقيدا وتركيبا؛ وربما غموضا؛ مما تبدو فى الظاهر، ويتجلى ذلك بصورة أكثر كثافة فى منطقة “زرزراة” فى مدينة بورسعيد؛ التى كانت طوال السنوات القليلة الماضية تحت الأضواء باعتبارها أكثر مناطق بورسعيد “خطورة” وتسببا فى إبراز مدى تعقيد ظاهرة “العشوائيات” التى تتفاعل فيها ظواهر اقتصادية واجتماعية مركبة.

هذا الملمح المركب يكتسب أولى مقوماته من البحث عن معنى ودلالة الكلمة” زرزراة”، فستطالعنا بعض الوقائع الجغرافية اللافتة، فهناك ما لا يقل عن خمس مناطق عشوائية تحمل نفس الاسم، فهناك “زرزراة” فى: الغردقة، وسفاجا، والإسكندرية، وأسوان، وربما فى مناطق آخرى على امتداد المحافظات والمدن المصرية من الشمال للجنوب ومن الشرق للغرب، وللمفارقة فهناك منطقة تسمى “زرزراة” فى مدينة قسنطينة الجزائرية، والتى تعرف بـ “مدينة الجسور” أو عاصمة الشرق الجزائرى، وتعتبر من كبريات مدن الجزائر تعدادا، وفى”زرزراة” الجزائرية بعض كليات جامعتها، وربما يكون البحث عن معنى لمصادفة التسمية تلك تفسير فى تناثر” زرزراة” فى بقاع كثيرة.

 ولـ “زرزراة بورسعيد” تاريخ قريب مع معنى ودلالة “العشوائية” ففى البحث الأولى تطالعنا هذه العناوين القريبة؛ التى قد نجد مثيلتها فى الـ” الزرزرات” الآخرى؛: “بورسعيد تنهى مشكلة منطقة زرزارة العشوائية.. وتسليم قاطنيها آخر 1870وحدة- كان ذلك فى أكتوبر 2012-، وفى التفاصيل أن: “محافظة بورسعيد أنهت مشكلة منطقة “زرزارة” أشهر منطقة عشوائية بالمحافظة، والتي ظلت نقطة سوداء فى قضية الإسكان بها على مدى 30 عامًا، بعد أن قامت بتسليم سكانها آخر دفعة من المساكن الجديدة”..، وأنه “تم تذليل جميع العقبات لتتسلم المحافظة الوحدات وعددها 1870 وحدة”…وأن “عمليات إزالة العشش السكنية تزامنت مع تسليم الوحدات الجديدة لقاطنيها، حتى لا تعود العشش مرة أخرى”..، وأن هناك “80 حالة من أصحاب التظلمات من بين قاطنى زرزارة سيتم بحث حالتهم”.

وقتها – أكتوبر 2012- أعرب محافظ بورسعيد- اللواء أحمد عبد الله- عن سعادته بإنهاء مشكلة سكان منطقة “زرزارة” العشوائية قائلاً “لم يعد هناك من العشوائيات سوى منطقة عزبة أبو عوف؛ وجارى حصر قاطنيها؛ وبقية متناثرة بمنطقة قريتي اللبانة والإصلاح جنوبى بورسعيد، وقد تم الانتهاء من وضع خطة القضاء على عشوائيات تلك المناطق قبل نهاية العام المالى الحالي، لتصبح بورسعيد أول محافظة بمصر تتخلص من العشوائيات نهائيا”.

قبل ذلك؛ وفى يونيو 2011؛ يطالعنا العنوان التالى “إزالة 30 % من منطقة “زرزارة” العشوائية ببورسعيد”، وفى التفاصيل أن “القوات المسلحة؛ بالتعاون مع جهاز الإنقاذ والطوارىء بمحافظة بورسعيد؛ قامت بإزالة 320 عشة إيواء، والتى تمثل قطاع 2 بالكامل بمنطقة “زرزارة العشوائية ، والتى تعد واحدة من أخطر المناطق العشوائية فى مصربأكملها، وتجريف الأرض حتى لا يصلح إقامة أى إيواءات عليها مرة أخرى،..، وصرح مصدر مسؤول بالقوات المسلحة بأنه تم تخصيص 244 وحدة سكنيةللمستحقين بمنطقة سور الحراسات، بالاضافة إلى أنه سوف يعاد بحث 48 حالة من غيرالمستحقين مراعاة لظروفهم الاجتماعية، فيما ثبت عدم أحقية الباقون، وأشار إلى أن قطاع 2 يمثل ما يقرب من 20 % من مساحة هذة المنطقة، وبهذا تم القضاء على ما يقرب من 30 % بعد أن سبق وتم إزالة قطاع 5 بالكامل، لافتا إلى أن هذه الأرض تقع فى منطقة حيوية بالمحافظة ، وذات عائد استثمارى مرتفع وتبلغ مساحتها 23 فدانا”.

وفى نوفمير 2012 تطالعنا أخبار عن “تجمهر أعداد كبيرة من معتصمى منطقة “زرزارة” العشوائية ببورسعيد وغير المستحقين لوحدات سكنية أمام ديوان عام المحافظة وقاموا بقطع شارع 23 يوليو المواجهة للمحافظة..وقاموا بإشعال إطارات السيارات ومنعوا سيرها بالشوارع وسط تواجد أمنى مكثف لحماية مبنى الديوان العام ومديرية أمن بورسعيد وقد حاولوا اقتحام مدرسة بورسعيد الثانوية العسكرية للإقامة فيها إلا أن طلبة المدرسة تصدوا لهم وحدث تراشق بالحجارة…وهو ما دعا اللواء أحمد عبد الله محافظ بورسعيد المتواجد ببورفؤاد لحضور احتفالية بكلية الهندسة وأجرى اتصالا مع اللواء محسن راضى مدير أمن بورسعيد طالبه بالحفظ على الممتلكات العامة للدولة وممتلكات الأفراد…وأعطى مدير الأمن تعليماته الفورية بنشر تعزيزات من قوات الأمن المركزى والمباحث الجنائية لمنع تصاعد الأحداث وأصدر محمود مطاوع السكرتير العام تعليماته بخروج الموظفين من المبنى فيما أخرج مدير مدرسة أشتوم الجميل تلاميذ المدرسة خوفا عليهم”.

واليوم، تعود “زرزراة” التى يبدو وكأن “عشوائيتها” تنمو ذاتيا، أو كأنها “فطر” ينمو تلقائيا، أو أن الأجهزة التنفيذية تتهاون فى العلاج فتخلف بؤرا تعاود النمو، فالواقع أن “زرزراة” عادت بعد كل الصخب عن “العلاج الجذرى” الذى تمثل فى عنوان مثير لوحدات سكنية تحمل اسم” الأمل الجديد” لكن خلفها تقبع “زرزراة”.

فى تلك البقعة النامية من جديد تجولت “ولاد البلد” فى محاولة لتسليط الضوء على ذلك “التعقيد والغموض” الذى يبدو فى كلام سكانه بسيطا للغاية وإنسانيا جدا؛ وإن كان يكتسب فى بعض الكلمات منحى “مناطقيا، وربما “عنصريا” بغيضا” حين يشير سكان “زرزراة” إلى “الفلاحين، والغرباء” وأخذهم لـ “حق أهل بورسعيد الأصلاء”، وحين يتحدث سكان” الأمل الجديد” عن جيرانهم وكأنهم “مخلوقات آخرى”.

فى البداية نرى صورة “زرزراة” فى ملامح جيرانهم، فتشرح هند فرج، إحدى سكان” الأمل” معاناتها مع سكان” زرزراة”، فتقول: “أنا أعيش فى مساكن الأمل الجديد، وعلى الرغم من أن المحافظة لم تقم باستكمال كافة المرافق الخدمية للعمارات إلا اننا نعيش فيها، فلماذا تصمت المحافظة وأمامنا عشش يتم بناءها كل يوم، تأتينا منها أمراض لا حصر لها، وحشرات وفئران، بكميات هائلة، المنطقة مخيفة ليلا، فهى مظلمة دائما وكأنها كهوف مهجورة فلماذا تتركهم المحافظة؟”.

ويقول أحمد موافى: “سكان منطقة الأمل الجديد يستغيثون من العشش التى تم بناءها، وتتحول بمرور الوقت لـ “أوكار” لمتعاطى المواد المخدرة، مما يجعلنا نعيش فى خطر محقق، نحن نخشى على بناتنا من النزول ليلا خوفا من اعتداء أحد عليهم دون وعى، فلماذا يصمت رئيس حى الضواحى ومحافظ بورسعيد عن تلك المهزلة؟”.

وتضيف إبتسام ناصر: “منذ أن كثر عدد العشش التى يتم بناءها يوميا أمام أعيننا ونحن لا ننام فكميات الناموس والقمامة التى أمامنا تتراكم يوميا، إلى جانب الفئران، كل هذا يجعلنا نعيش داخل عشة كبيرة وليس منطقة سكنية كبيرة، نحن نتقدم برسالة ونداء الى محافظ بورسعيد نفقول له فيها: رفقا بنا قليلا”.

أما صورة” زرزراة” عن نفسها فيرسمها سكانها، فيقول غريب موسى: “تزوجت ولم أجد مكانا أعيش فيه أنا وزوجتى، وبعد سنوات من الإقامة مع عائلتى؛ وبسبب المشاكل التى لا تنتهى بين زوجتى والعائلة؛ اضطررت لبناء “عشة” فى زرزرة على أمل أن تنظر إلينا الدولة بعين العطف فنتمكن من الحصول على شقة، وأسأل: لماذا يحصل “الغرباء” على شقة، وأبناء المحافظة يعيشون فى الشارع؟”.

ويضيف السيد سامى ملمحا آخر للصورة: تقدمت بطلب للحصول على شقة من المحافظة أكثر من مرة ولم يحالفنى الحظ فقررت إقامة عشة فى عشوائيات زرزارة حتى أتمكن من لفت نظر المسؤولين، أو حتى يحالفنى الحظ هذه المرة للحصول على شقة، فكل من تسلموا شققا من سكان فاطمة الزهراء والأمل الجديد هم “فلاحين” وليسوا من أبناء بورسعيد، وعلى ابن بورسعيد أن يعيش فى العشش ليتساوى بـ “الغريب” فأين أذهب فى حالة إزالة العشش التى نقيم بها؟”.

وتنهى وحيدة صالح رسم الصورة: يلومنى الكثيرون بسبب بنائى لعشة فى زرزارة فهل يعتقد البعض أنى سعيدة بالعيش وسط الزبالة والفئران فالعشش بمثابة وكر للاوبئة، أنا فى انتظار حقى فى الحصول على شقة لى ولأبنائى بدلا من أن نبقى باقى العمر نسكن فى شقق الإيجار التى ترتفع يوما بعد يوم فلا تلوموننى فانا أريد فقط أن أعيش”.