“الساعة كام”.. كابوس الاضطهاد الذي يعانيه الأفارقة في الدقهلية

“الساعة كام”.. كابوس الاضطهاد الذي يعانيه الأفارقة في الدقهلية

الدقهلية ـ محمد حيزة:


“الساعة كام”، السؤال التقليدي الذي ربما يسمعه المصريون من بعضهم، عشرات المرات خلال اليوم الواحد، والسؤال ذاته يحوّل حياة “إدريس، ومدثر، وأيوب، ورقية، وبلقيس، وزينب”، وما يزيد  عن  180شخصا تقريبا من زملائهم إلى شقاء مستمر.

هؤلاء الخمسة، النيجريين، الذين أتوا إلى جامعة المنصورة، مع 185 طالبًا، آخرين من نيجريا، لدراسة التمريض بكلية التمريض بجامعة المنصورة، لم يستطيعوا هم وزملائهم، التأقلم مع حياة يتعرضون فيها للسخرية والاستهزاء على حد وصفهم، من كثيريين ممن يمرون بهم في الشارع، فقط لأن لونهم أسود، ولا يتكلمون العربية.


وبالرغم من أن المنصورة، عاصمة محافظة الدقهلية، التي تقع شمالي العاصمة المصرية القاهرة، والمطلة على النيل والبحر الأبيض المتوسط، يقطن فيها لاجئون ومهارجون، وفقا لمكتب الجوازات والهجرة بالمنصورة من ما يزيد عن 35 جنسية، معظمهم من العرب والأسيويين، يسير الكثير منهم بالشوارع ويملأونها، بزيهم التقليدي في بلدانهم، دون شئ يعيقهم.


استوعبت المدينة الصغيرة المكتظة بـ6 مليون و380 ألف نسمة من المصريين، أكثر من 35 ثقافة مختلفة، إلا أنها لم تستطع أن تحتوي عشرات الأفارقة، الذين أتو للدارسة، وهنا تستعرض ولاد البلد العديد منهم قصص الاضطهاد، التى تعرضوا لها خلال حياتهم اليومية.

الصدمة

“مدثر” طالب بالفرقة الثالثة بكلية التمريض جامعة المنصورة، يقول “منذ وافقت جامعة المنصورة على انضمامي لها، والدراسة بكلية التمريض، وأنا تخيلت أنه فتحت لي آفاق السعادة والعلم، وكنت متحمسًا جدًا للسفر إلى مصر، بلد الأنبياء، والأزهر، والقرآن، مصر التي كلما تذكرت اسمها رن في أذني صوت الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، والشيخ الحصري، وتخيلت أنني سأعيش في الجنة بين شعب من الملائكة”.

اللغة العربية

بسمة سريعة ترتسم على وجهه الأسود، تتحرك معها شفتاه الغليظتين بسخرية من نفسه ويتابع قائلًا “أعاني مر المعاناة أثناء تحركي في الشارع، الأولاد ينادونني “بونجا”، وصاحب البقالة الذي أشتري منه احتياجاتي يناديني “سمارة”، وكلما تحركت سألني الناس “الساعة كام”، رغم أن معظمهم يحمل ساعة يد، ومعهم هواتفهم المحمولة التي يستطيعون من خلالها معرفة التوقيت، ولكن هم يريدون أن يضايقونني، ويريدون أن يستهزئوا بي لأني لا أتحدث العربية، وفي الحقيقة أنني لو تحدثت العربية لن يفهمونني لأنهم لا يتكلمون الفصحى وأنا الأعجمي أتكلم بالفصحى لغة القرآن”.

تدخل لقاعة الدراسة بالدور الثالث بكلية التمريض، مرتدية فستانًا باللون الأزرق والبنفسجي والفسفوري، لا تتوقف نظرات زميلاتها عن ملاحقتها بأعينهن، إضافة إلى الغمزات واللمزات التى تراها من زملائها الذكور، والإشارات الخفية.

تقول بلقيس جربوع التي لم تتخل عن عاداتها وتقاليدها النيجرية، “لست مطالبة بأن أتخلى عن معتقداتي حتى يتوقف البعض عن النظر إلى والتندر بي، وليس بالضرورة لإني لا أتكلم العربية، ألّا أفهم من يتحدث عني ومن يتندر بي”.

وتضيف “بلقيس” كثيرًا ما يسألونني كيف تكونين مسلمة ولا تتكلمين العربية؟ لغة أهل الجنة، فأرد عليهم حينما سأدخل الجنة سأتلكم العربية أما الآن فأنا في مصر.

الإقامات والأجانب الآخرين

إدريس شديد وقف مليا في طابور لم ينته، من أناس من جنسيات وألوان وأعراق مختلفة، بمقر مصلحة الجوازات والهجرة المنصورة، لمحاولة إستخراج إقامة دراسة، كان يحمل جميع الأوراق الرسمية التي تفيد بأنه دارس بالجامعة، ومع ذلك كان يلقى معاملة غريبة من موظفي مكتب الجوازات حتى سأله أحدهم ذات يوم “إنت عبد؟”. يقول “إدريس” السؤال كان صفعة، كيف يعينون شخصا بهذا الجهل في هذا المكان، الإسلام قضى على العبودية وكما أن هناك عبيد سود في هناك عبيد من البيض أيضا، ولقنته درس في الإسلام لما تأكدت أنه مسلم وقلت له أن الرسول قال إن الله لا ينظر إلى ألوانكم إنما ينظر إلى قلوبكم، قام على الفور بطردي من المكان وأمرنى أن أعود الأسبوع المقبل  وظللت شهرا كاملا أذهب وأعود بدون أية وثائق حتى تحركت الكلية واستطاعت إجباره على إتمام الأوراق.

“إدريس” لم يتعرض فقط للإضطهاد أو المضايقات من المصريين أو الموظفين بالجوازات، بل كان المواطنون السوريون يستغلون عدم فهمه للغة العربية ويأخذون دوره في الصف، وأحدهم أخذ هاتفه المحمول وتحدث فيه عنوة، ولما حاول اللجوء إلى الأمن التابع لوزارة الداخلية بالمكان لم يحركو ا ساكنا على حد وصفه، حتى تدخل أحد السوريين الآخرين واعتذر له وأعاد له الهاتف ودفع له 5جنيهات نظير المكالمات التي أجراها صديقه الآخر.

الشارع أصبح كابوسًا

“الشارع أصبح كابوسا” مستاء جدا كان يقولها، لم يوافق على الوقوف أمام كاميرا “ولاد البلد” لتسجيل حديثه، إكتفى أن يدون المحرر غضبه، على ورق، أيوب صانيعي الذي تسائل “كيف يترك الوالدان أولادهما في الشارع بهذا الشكل، وأي تربية أوصلتهم لهذا الحد من سوء الأدب، هؤلاء الأطفال مؤكد أنهم لم يدخلو مسجدا حتى يتعلمو تعاليم الإسلام، أنه لافضل لأبيض على أسود ولاعربي على أعجمي إلا بالتقوى والعمل الصالح “.


يقول “أيوب” كلما تحركت في مكان، يسألني الأطفال الساعة كام، لم يمر صديق لي من نيجريا من شارع إلا والأطفال يسألونه الساعة كام، أتذكر ذات مرة كنت في السوق، والطفل يشير إلي ويكلم والدته، فقالت له “روح قله الساعه كام” قلتله بالعربية اسأل الماما، هذا سوء أدب، حينما تعلم أم ابنها السخرية من الآخرين، والعنصرية، بالرغم من أنها ليست شقراء أو بيضاء، وكل من سخروا من لوني الأسود ليسوا من البيض.

المصريون أولًا

زينب شريف الطالبة بالفرقة الرابعة بكلية التمريض بجامعة المنصورة، أخذت على عاتقها مسؤلية شراء احتياجات المنزل، الذي تسكن فيه هي و6 من زميلاتها النيجريات، اللاتي أتين معها لدراسة التمريض بجامعة المنصورة، ذهبت لبقال مجاور لمنزلها، وبدأت في إلتقاط الأشياء التي تريدها، وحينما حاولت ان تتكلم مع البائع لدفع الثمن دخل زبون آخر وأخذ يكلم البائع فطلبت منه أن ينهي الحديث معها لإنها متأخرة فأجابها “المصريين أولا”.

وتتابع “زينب” قائلة بالإضافة إلى تأخير كافة معاملاتي سواء في الجوازات أو في المحال التجارية، فإن السؤال الذي يسألني إياه الأطفال في كل مكان “الساعة كام” أًصبح شيئا سخيفا، هم يريدون مني أن أتحدث معهم، أنا مستعدة ولكن من يريد الحديث إلى لابد من أن يتحمل عقبة أني لست عربية ولا أجيد العربية، وأيضا أن يتحدث بشكل لائق، لا يأتي للحديث معي من أجل السخرية من ملابسي أو لوني أو لغتي.

الشيكولاتة السخيفة

إدريس هارون، الطالب بالفرقة الثالثة بكلية التمريض بجامعة المنصورة، كان محبا للشيكولاتة، قبل أن يأتي إلى مصر، فمنذ أن أتى إلى مصر والجميع يمازحه بالشيكولاتة، وينادونه بالشيكولاتة، إشارة منهم للونه الأسود. يقول “إدريس” الشيكولاته  الشئ الجميل الذي كنت أحبه كرهته بسببب الذين يصفونني بها، أنا إنسان لست شيكولاتة، وهذه شيكولاتة سخيفة التي يصفونني بها، لو أتى أحد من هؤلاء إلى نيجريا لن يناديه أحد باللبن، ولو أتت إحدى المصريات إلى نيجريا لن يناديها أحد بالمتبرجة، إذا فلماذا يعايرونني بلوني الأسود، علمًا أنهم ليسوا شقرا، أو أوربيين الملامح، وعيونهم ليست خضراء.

يضيف “إدريس” أحد أصدقائي المصريين حاول التخفيف عني، وقال لي أن الذي يناديك شيكولاتة يمازحك، وأسمعنى أغنية قديمة لمغنية مصرية تمدح السود وتصفهم بالشيكلاتة إشارة منها لجمال السود كما الشيكولاتة الجميلة، وفوجئت أنها سوداء أيضا، ولكن ما دار في بالي، أن هذه المغنية من الممكن أن تكون تعرضت لاضطهاد وناداها الناس بالشيكولاتة، لذلك قامت بالغناء لتحديهم ولإغاظتهم وليعلموا أن السود لا يغتاظون من هذه الكلمة.

الدكتورة فاطمة جالو، مدير إدارة الوافدين بكلية التمريض، بجامعة المنصورة، تقول إن الكلية تحاول تذليل كافة العقبات للوافدين، حتى المواد التي درسوها في نيجريا لا نعيد تدريسها لهم، ونعاملهم كما الطلاب المصريين لا فرق، سوى أن بعض المحاضرات نخصصها لهم لأنهم لا يتحدثون العربية.

وتضيف “جالو” لا يوجد مشكلات أكاديمية تواجههم، كل ما هو في الكلية نقوم بتذليله، نعاني معهم من مصاعب أخرى كمكتب الجوازات، والموافقات الأمنية، نشعر أنهم يحبون الجامعة ويرتاحون في الجلوس فيها أكثر، فهم يظلون في الجامعة ليلا ويأتون للكلية في أيام الأجازة.

وتتابع مديرة الوافدين بكلية التمريض “حاولنا دمجهم مع الطلاب المصريين، وقمنا بحجز كورسات لغة عربية لهم بكلية التربية بجامعة المنصورة، ونحاول تعليمهم العامية المصرية أيضا بشكل ودي بين الطلاب والأساتذة المصريين وبينهم، لأنهم كثيروا الكلام ويحتاجون لذلك جدا، ولا يحبذون العيش بمعزل عن المجتمع”.

الوسوم