الحريات بين دستور يعظمها وواقع ينفيها.. آراء مثقفي الفيوم في قضايا الرأي

الحريات بين دستور يعظمها وواقع ينفيها.. آراء مثقفي الفيوم في قضايا الرأي
كتب -

الفيوم– محمود عبدالمنجي:

تنص المادة “39” من الدستور المصري على أن “الحرية الشخصية حق طبيعي، وهي مصونة لا تمس، وفيما عدا حالة التلبس لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته بأي قيد إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق”.

هذه القاعدة القانونية أو الدستورية، يخالفها واقع الحريات الذي نعيشه، بحسب بعض المثقفين بالفيوم، لاسيما فيما يتعلق بقضايا الرأي والفكر، في ظل صدور بعض أحكام على عدد من أصحاب الرأي، مثل تأييد قرار حبس إسلام بحيري، والحكم على الكاتب كرم صابر، وآخرها واقعة تحويل الفنانة انتصار للقضاء لإبداءها رأيها في الأفلام الإباحية، وهذه الوقائع قد نكون متفقين أو مختلفين مع أصحابها، لكن القضية محط النظر هنا، هل تعتبر هذه الأحكام مخالفة للدستور؟ أم أن هناك مواد أخرى تستوعبها في الدستور والقانون؟

“ولاد البلد” تطرح السؤال على أصحاب الرأي والفكر بالفيوم لمعرفة موقفهم من مصادرة الحريات والقبض على البعض لمجرد اعتناقه أفكار تبعد عن المسؤولية القانونية، وتدخل في باب الحريات التي يكفلها الدستور.

يقول محمد جمال, روائي, أنا ضد أي أحكام تصدر ضد أصحاب الرأي، فعلى سبيل المثال إسلام بحيري يعتبر سجين رأي, وصاحب منطق واقعي, حتى كل الردود عليه لم تكن على المستوى المطلوب, لأنها كانت عبارة عن ردود تكفيرية غير صريحة، أما بالنسبة لقضية الممثلة انتصار، فلي تحفظ شديد على ماذكرته ببرنامجها.

وتابع جمال “من الواضح أننا بصدد طعم يصطادنا به أصحاب التوجهات السياسية المستفيدين من استمرار الوضع الحالي, فلو تكررت هذه الحوادث كثيرا, وأصبح المعروف هو الحكم على النوايا فقط بدون أدلة, فأعتقد أننا سنتجه للمكارثية وأفكار التطرف والتعصب للرأي, ولكن هذه الظواهر مثل الموجات تعلوا وتنخفض, مثل الأفكار الضحلة المتمثلة في الأفلام الهابطة والأغاني التي تحرض على الفساد, ولا أعتقد أن الحال في مصر سيصل إلى أن الدولة تعتبر نفسها رقيبا أخلاقيا على المواطنين”.

كما يتسائل منتصر ثابت, مدير عام الثقافة بالفيوم, هل جاءت هذه الأحكام بناء على قانون, فإن كان، فعلينا احترام الجهات القضائية وما تصدره، وإن شاب هذا الحكم أي قصور أو عيوب فيجب أن تستأنف هذه القضايا مرة أخرى حتى تظهر الحقوق, لا أرى أنه يمكن رفض القانون إلا بالقانون.

وأضاف ثابت أن ما ينقص هذا الشعب هو استعادة هيبة القانون, وإلا فلن نرى من يتطاول على الأديان ولن نرى من يدعوا للانحلال, ولن ترى مقصر في أي مكان في الدولة, الحل الوحيد لمصر يكمن في تطبيق القانون.

ويرى عصام الزهيري, كاتب وأديب, أن قضية الحريات في مصر من بين القضايا التي تصيب الإنسان بإحباط شديد كلما فكر فيها، رغم النص الدستوري الواضح والصريح والقاطع على أن حقوق التفكير والتعبير والاعتقاد حقوق مكفولة لكل مصري، إلا أن ترسانة القوانين المعمول بها قضائيا ولم تغربل حتى اليوم يمكن الحكم عليها بأنها ترسانة قانونية استبدادية متخلفة ومبكلة للحريات ورافضة للمبدأ الدستوري ولحقوق المصريين.

ويضيغ “يجب أن يفهم كل من يعيش على أرض مصر، سواء كان في السلطة أو المعارضة، سواء كان سياسيا أو مثقفا أو بعيدا عن السياسة والثقافة أن لكل إنسان حريته التامة في أن يعتقد ما يشاء ويفكر فيما يريد، وأن العقائد والأفكار لا يمكن فرضها على الناس، وأن كل إنسان من حقه أن يعتنق ما شاء من أفكار، بما في ذلك أفكار الكفر والإلحاد والزندقة، وأن له على الآخرين أن يحترموا حريته ويحترموا أفكاره ويحترموا إنسانيته، ما دامت أفكاره لا تتضمن سعيا من أجل فرضها على الآخرين بطريق القوة أو السطة، فالأفكار والعقائد الإنسانية حرة شأن الإنسان نفسه”.

وينبه الزهيرى إلى خطورة الكارثة التي تعاني منها الحريات في مصر، وبالذات الميدان الذي يستحيل أن يزدهر وينتعش وينتج في غياب الحريات، وهو ميدان الثقافة والفكر والأدب والفن، يجب أن نفهم أنه لن يكون لدينا إنتاجا فكريا وثقافيا يعيد لمصر قوتها وريادتها الثقافية التي فقدتها بدون قواعد راسخة من حريات التعبير والتفكير والاعتقاد.

ويضيف الزهيرى “المفارقة المدهشة أنه كان للفيوم، نصيب من قمع الحريات ويكفي أن نذكر أن قضية الدكتورنصر حامد أبو زيد، كان أحد القضاة فيها، قاضيا أصوليا ومن مركز إطسا، والخلاصة أنه ما من أديب أو فنان أو كاتب أو مفكر مصري لا يكتب ولا يشعر على رقبته ببرودة وقسوة حد سيف التكفير والقوانين المعادية للحريات، ولن يكون في مصر أدب أو فن أو فكر أو ثقافة قبل أن يزال هذا السيف”.

فيما يوضح عماد هلال, باحث ثقافي, أنه ضد حبس أي مفكر على رأيه أو على تصحيح أحد لأي من المفاهيم الخاطئة, ما أوصلنا إلى هذه الحال هي الأفكار المتطرفة التي مازالت تغزوا الفكر من قديم الزمن, واليوم بدأت تطفى على السطح نتيجة لأحادية الفكر والتكفير, حيث ساد حكم الحزب الواحد, وسط تعلم مفاهيم خاطئة في ظل نظام تعليمي فاشل وفاسد, وهذه الأفكار تجعل الناس تتصور أنها حقيقة, نحن نجني ثمار ما تعلمناه في الأسرة والمدرسة والمسجد والكنيسة والجامعة، حتى الإعلام المدفوع من جهات معينة هو ما سيودي بمصر إلى هوة التطرف والتعصب في الرأي والحكم على النوايا.