يحظى مسلسل الأسطورة من بطولة الفنان محمد رمضان بنسبة مشاهدة عالية، لا يمكن قياسها بأرقام ولكن بتفاعل واضح على مواقع التواصل الاجتماعي، المشاهدة العادية لمسلسل يذاع في رمضان تحوّلت لحالة من التعايش والتوحد مع أحداث المسلسل، فلماذا كل هذه الضجة والمحبّة؟

لنعد للخلف عامين فقط، في رمضان 2014، كان اسم “حبيشة” هو حديث الساعة، وحبيشة هو اسم محمد رمضان بطل مسلسل “ابن حلال”، الذي نجح في الحصول على تعاطف قطاع كبير من المشاهدين، لدرجة أن عدد مشاهدينه على المقاهي كان قريبًا من عدد مشاهدي مباريات كرة القدم، “حبيشة” عامل الدهانات البسيط الذي تصادف وجوده في الشقة المقابلة لشقة ستشهد جريمة قتل يرتكبها ابن مسؤول نافذ في الدولة يستخدم نفوذه لاحقًا لتبرئة ابنه وإلصاق تهمة القتب بـ”حبيشة”، الذي لا ظهر له ولا سند، لكن الأخير يثور ويهرب وينتقم.

الحكاية الرئيسية في مسلسل الأسطورة تتقاطع مع الحكاية الرئيسية لسلسلة الأفلام الشهيرة “الأب الروحي” (The Godfather) ظهر الجزء الأول منه عام 1972، من بطولة آل باتشينو، الفنان الإيطالي الشهير، الذي قام بدور دون مايكل الضابط السابق في البحرية الأمريكية إبان الحرب العالمية الثانية، الذي فرض على نفسه عزلة عن أعمال عائلته – إحدى عائلات المافيا- غير المشروعة، لكنه يضطر للانضمام إلى العائلة بعد مقتل أخيه سوني (جيمس كان) ويثأر له من العائلات الأخرى التي ساهمت في اغتياله، ويصفي حساباتها كلها ويعيد للعائلة هيبتها ومكانتها في عالم المافيا.

اتهام الأسطورة باقتباس الفكرة من “الأب الروحي، اتهام متعجّل ومجحف، فمعايير الخطأ والصواب نسبية تختلف من مجتمع لآخر، ومن شخص لشخص، لكل منّا معاييره الخاصة ونظرته المنطقية التي يحكم بها على الأشياء، “للخطأ فلسفته”، وفكرة انتقال شخص ما من ضفة النهر للضفة الموازية له قديمة جدًا، الحياة مليئة بالمواقف النقيضة، وقراراتنا التي اتخذناها قبل سنوات حتمًا سننظر لها بتقييم مختلف الآن، نحن دائمي التغيّر والتنقّل بين التناقضات.

ناصر الدسوقي، الشاب الملتزم دينيًا والمجتهد دينيًا، الابن العادي لأسر مصرية كثيرة، أمل التغيير، والارتقاء في سلم الطبقات الاجتماعية، اصطدم بأبواب موصدة، ودائرة مغلقة، تنتقي أفرادها بمعايير النسب والنفوذ لا بمعايير الكفاءة والاجتهاد، طالب الحقوق الأوّل على أقرانه لمدة أربع سنوات متتالية، لا يحقّ له أن يصبح وكيل نيابة، “ابن الزبّال لا يمكن يبقى قاضي”، وهو نفس المنطق الذي عبّر عنه وزير العدل الأسبق في تصريح أطاح به من منصبه بعد ثورة على مواقع التواصل الاجتماعي انتقدته.

بينما رفاعي الدسوقي الشقيق الأكبر لناصر، راجل “عفيجي”، يستخدم عضلاته قبل عقله، يعترض سيارة نقل ركّاب تستخدمها الشرطة في مداهمة الحارات الشعبية كنوع من التنكّر والتمويه، يظهر ناصر الشقيق الأصغر مثل إصدار حديث لرفاعي، نسخة منه طبق الأصل على المستوى البصري، لكنه يتميّز عنه بالذكاء والعلم.

عندما كتب نجيب محفوظ روايته الحرافيش في 1977، رمز للمصريين الغلابة بالحرافيش، حتى اللفظة نفسها تشير للهامشية، إنّهم أناس يعيشون على هامش الحياة، يرزحون تحت ظلم الفتوّات، الذين يفرضون عليهم الإتاوات، ويتحكمون في مصائرهم، ينتهكون شرفهم بالجبر والغصب، ومن وقت لآخر يظهر من بينهم حرفوش مثلهم، يقول “لا”، يرفض الظلم، يثور ضدّ الفتوّات، يهدم قصور الظالمين ويحكم بين الناس بالعدل.

الفتوّة العادل، أو المختار، أو النبي، أو البطل الشعبي، فكرة بشرية قديمة قدم العالم، فكلما زاد البطش واستفحل، بحث المظلومون عن أمل في التغيير، في وقت ما سيظهر روبن هود، أو أدهم الشرقاوي، أو زورو، أو حتى سوبر مان.

ناصر الدسوقي هو بطل هذا الزمان، يشبهنا، مصري بسيط طموح ومجتهد، يتعرّض للظلم مثلنا، تقتل الواسطة والمحسوبية طموحاته، تتركه حبيبته بسبب ظروفه المادية ووجود عائلته في الدرك الأسفل من سلم الطبقات الاجتماعية، يُقتل شقيقه الأكبر العائل الوحيد لأسرته بعد تعرّضه لمؤامرة، هو نفسه يتحوّل لمتهم بالإتجار في السلاح وتصنيعه بسبب مؤامرة.

عصام النمر، هو تجسيد كل شئ دنئ، الغيرة والحقد، الانتقام والتشفّي، عصام النمر هو تجسيد كل الهزائم والانكسارات، لذلك فرح المصريون بمقتله، لأنهم شاهدوا بطلهم ينتقم من عدوّهم اللدود، ينتقم من منافس غير شريف، يستخدم كل الأساليب القذرة للإيقاع بأعدائه.

الأسطورة يستخدم كل المفردات البسيطة ليصنع منها أسطورة ينتظرها البشر منذ آلاف السنين، ينتظرون البطل المنقذ، من يخرجهم من هامش الحياة إلى متنها، يقيم العدل بينهم، دون أن يغيّره نفوذ أو مال، لا وجود لتعقيدات نفسية عميقة تحتاج لنوعية خاصة من الممثلين، لا وجود لبطل من عالم الكومباندات السكنية الفارهة، لا وجود لبطل مأساته الكبرى في الحياة أن والده توفى وترك له هو وأخوته فيلا بحديقة واحدة فقط، الوجود الوحيد المسموح به هنا لناصر الرفاعي، فتوّة الحرافيش العادل.