“الأبطال” قرية تواجه التشرد بسبب مشروع القناة الجديدة

“الأبطال” قرية تواجه التشرد بسبب مشروع القناة الجديدة
كتب -

2000 أسرة اختصرتهم المحافظة في 61 فقط.. والجيش يزيل المنازل بعد مهلة أسبوع

 

الأهالي: لا نعارض المشروع.. لكن الدولة تحكم علينا بالإعدام

 

الإسماعيلية – عمرو الورواري:

 

زرع أرضه لمدة 30 عامًا، حوّلها من صحراء جرداء إلى مزارع تخطى طول الأشجار فيها أعمدة الكهرباء، غرس البذرة ورأى الشجر يكبر مع عُمر أولاده، لكنه استيقظ فجر يوم الأحد الماضي علي إزالة جرافات القوات المسلحة لأشجاره، وإمهاله أسبوعا واحدا لمغادرة المنزل.

 

15 كيلو متر شرق قناة السويس من معدية “نمرة 6” حيث طريق اسفلتي حديث النشأة، تتأرجح عليه السيارات لكثرة عيوبه ووجود ما تُسمي “مطبات الهواء”  يأخذك إلي قرية “الأبطال” إحدي قري شرق البحيرات التابعة للقنطرة شرقي قناة السويس، عبر وسيلة انتقال توفرها بذاتك، لعدم وجود وسيلة مواصلات إلى القرية.

 

سيد القطاوي.. رجل في بداية الخمسينيات من عمره، أحد ضحايا قرية الأبطال الذي تعدت خسائره قرب المليوني جنيه، بعد إزالة الجيش لمنزله ومزرعة “مانجو” خمسة أفدنة كبرت أشجارها أمام عينيه.

 

يقول القطاوي إنه يسكن في القرية منذ ما يقرب من 30 عامًا، استصلح خلالهم 5 أفدنة، أنفق منها على حياته وحياة أولاده وتعليمهم حتي مصاريف الزواج، إلي أن أصبحوا مشردين بلا مأوي.

 

ويضيف القطاوي “الدولة أمدت القرية بالكهرباء والمياه واعتبرو الأرض ملكنا، وفجأة قررت أن تحكم علينا بالإعدام، فدخلت الجرافات القرية وأزالت أشجار المانجو وأمهلونا أسبوعا لمغادرة المنزل”.

 

يقف القطاوي أمام منزله المكون من ثلاثة طوابق، والذي كلفه نصف مليون جنيه بحسب قوله، مُتحسراً ومُتمسكاً بأمل تدخل الرئيس عبد الفتاح السيسي لتعويضه.

 

سيارة “ربع نقل” تقل محتويات منزل آخر خارجة من القرية، وأطفال يلهون على ركام المنازل رافضين الرحيل عن الأطلال، وخوف يشت من عيون أمهات باتت أولادهم في الشوارع.

 

إبراهيم توفيق.. رجل آخر في الستينات من عمره، حنت أرض سيناء ظهره استصلاحا لها، حتي بات لكل زرعة فيها علامة من يده.

 

يقول توفيق إنه انتقل بعد حرب أكتوبر عام 1973 إلى المنطقة، وبعدها توافد آخرون بعد تصريح الرئيس الأسبق حسني مبارك “راعو البدو واستصلحوا سيناء”.

 

ويضيف الستيني “قلنا نمشي قانوني عشان مفيش حد بعد كده يقولنا دى مش أرضكم، وقدمت طلبا لهيئة الإسكان والتعمير في القاهرة ودفعت رسوم 1500 جنيه عن كل فدان، وجاءت لجنة لفحص الأرض وخاطبت هيئة قناة السويس التى تبرأت من تبعية الأرض لها حتي صدر قرار تخصيص الأرض للهيئة عام 2001، وجاء اليوم التي تقدم فيه الهيئة خريطة لمشروع قناة السويس الجديدة تقول إن المنطقة صحراء”.

 

يؤكد توفيق أحقيتهم في الأرض برفعه إيصال كهرباء وآخر للمياه، مُشيرا إلى عشرات الأفدنة التي طالتها جرافات الجيش، وأخرى لم تزل صامدة في مكانها، قائلا “إن كانوا عايزين عقد أخضر فالشجر ده يثبت ملكيتنا أحسن من 100 عقد أخضر”.

 

تجلس سيدة ثلاثينية علي أنقاض منزلها شاردة الذهن فيما حدث لها، بعد هدم منزلهم، وباتو في العراء بينما يحوطها اثنين من أبنائها ويلهو الباقون على أطلال المنزل، مشاهدين الجرافات تقترب من البيوت الأخرى وتحصد المزيد من الأشجار ومعها السنوات.

 

تقول زينب “أخي كان يحلم بمنزل يضم العائلة، واستمر 10 سنوات يعمل فلاحا ويأتي آخر اليوم منهكا لادخار جزء من المال يساعد في البناء، حتي تمكن من تشييد الدور الأول، وقبل مرور عام هدمه عمال قناة السويس الجديدة، وبتنا في خراب ودمار لا نجد من يعوضنا”.

 

تضيف زينب، معقبة علي حديث أحد الأشخاص، أن زوجة جار لهم جائت بمولودها قبل أسبوع مُتحسرة “اتولد في عشة” بعدما هدمت الآلات منزلهم وأصيب الجنين بنزلة برد، مُشيرة إلي أولادها أن يبتعدوا عن الجرافة.

 

يعود القطاوي ليتوسل للرئيس أن يتدخل في حل الأزمة قائلاً “والله إحنا مش ضد المشروع إحنا مع الرئيس وفي ظهره، لكن نطلب بس أن يمر علينا، يمر يشوف الموقع، يشوف البيوت اللي بتتهد، لانهم بيقولوا لسيادته دي عشش وإننا متعديين” مرددا “والله العظيم حرام أن تحكموا علينا بالإعدام”.

 

“مش معايا أبني تاني، ولا معايا أتأجر، كل فلوسي كانت في البيت والغيط وأهم راحو” بهذه الكلمات استقبلنا ضياء الدين مصطفي في أحد “المقاعد” أسفل شجرة تنتظر دورها، أحد أهالي القرية المتضررين يفترش الأرض، واضعا أمامه خريطة جغرافية للمكان، يشرح البعد عن المجرى القديم، وكيفية تأثير المجرى الجديد على القرية.

 

يقول الحاج ربيع “أخدو الأرض وقلعو الشجر من جذوره وهدمو البيوت بدون إنذار، ومع ذلك إحنا لسنا ضد المشروع، ولكن نطالب بأن تنظر لنا الدولة نظرة رحمة وتعوضنا بأرض زراعية أخرى من أراضي سيناء التي ليس لها صاحب”.

 

ويتابع ربيع “المحافظ ناقش مع وزير الزراعة تخصيص 150 مترًا لكل أسرة للبناء عليها، على الرغم من نزعهم أراضى زراعية بآلاف الأفدنة، ومني فقط 25 فدان” على حد قوله.

 

2000 أسرة تقريبا اختزلهم بيانا رسميا لمحافظة الإسماعيلية في 61 أسرة فقط، سيتم تعويضهم بـ 150 متر مباني لكل أسرة، ضاربين عرض الحائط باحتياجات هؤلاء الأسر لمصدر رزق، بعد اعتمادهم على “الزراعة”.

 

وتقع المنازل المُزالة في زمام “قرية الأبطال” الواقعة بالقنطرة شرقي قناة السويس، وجاء اسمها من التي هي عليه الآن من استثمار محاربين قدماء للمنطقة، وعيشهم بها، قبل أن تتحول إلى منطقة جاذبة للمستثمرين من صغار الفلاحين بقري الشرقية والصعيد وغرب الإسماعيلية.

 

قال اللواء أركان حرب كامل الوزير، رئيس أركان الهيئة الهندسية المشرفة على حفر قناة السويس الجديدة، إن المنازل المزالة في  قرية الأبطال بُنيت بشكل مخالف، لأنها على أرض ليست ملك أصحابها، ولكنها ملك هيئة قناة السويس.

 

وأضاف “من يطالب بالتعويض لن يناله لأنه بنى على أرض ليست ملكه من الأساس، وعليه أن يرى أولا أرض مزارع القوات المسلحة  على مساحة 2000 فدان، مزروعة بأشجارالمانجو والزيتون المثمرة، وأزيلت لأنها وقعت في مسار الحفر”.

 

وأوضح الوزير أن المناطق التي أزيلت لا تتجاوز أربع أو خمس مزارع، وعلى قاطنيها إزالتها لأن القوات المسلحة لن تحيد عن مصلحة الوطن، قائلا “القوات المسلحة بدأت بنفسها وأزالت أرضها التي جاءت في تخطيط المشروع، وكان من الممكن أن نتدخل لنقل المشروع  بعيدا عن مزارع القوات المسلحة ولكننا أثرنا مصلحة الوطن على المصالح الشخصية”.