أولياء الله الصالحين.. “مغاربة” في قلوب المصريين

أولياء الله الصالحين.. “مغاربة” في قلوب المصريين المرسي ابو العباس بالإسكندرية،ارشيفية

ما بين دعوات مزينة بالنذور وأخرى بالتبرعات، تهفو الأرواح إلى شفاء ما بها من داء وأوجاع، إذ تتعلق قلوب الكثير من الزائرين بأضرحة الأولياء المغاربة، ومقامات الصالحين ممن استقروا في مصر وعاشوا بين أهلها وفي قلوب مريديهم، ففي كل محافظة وكل بلدة ستجد ضريحا أو مقاما لأحد من هؤلاء الأولياء، إلا أن كثير منهم ليس مصريين في الأصل، وإنما وفدوا إليها عبر فترات مختلفة من تاريخها.

ولعل أبرز هؤلاء الأولياء “السيد البدوي في طنطا، وعبدالرحيم القناوي في قنا، والمرسي أبوالعباس في الإسكندرية، وأبوالحسن الشاذلي بمحافظة البحرالأحمر” وهم في الأصل مغاربة وفدوا إلى مصر وأصبحوا من أهلها.

يا بدوي

يقول الشيخ الأحمدي أزكار، أحد مريدي الطرق الصوفية بالمغرب، معرفا للبدوي بأنه أحمد بن علي إبراهيم البدوي، والمعروف بـ”السيد أحمد البدوي”، ضريحه في مدينة طنطا التابعة لمحافظة الغربية بمصر، ولد بـ”فاس” المغربية عام 569 هجرية، وترعرع بها، وحفظ القرآن الكريم، وكان أحد تابعي الفقه المالكي، ثم رحل من المغرب إلى العراق، وعاد واستقر في مصر بمدينة طنطا في عام 637 هجرية، وتوفي بها عام 675، وعرفت طريقته بـ”الطريقة الأحمدية” نسبة لاسمه أو البدوية لكنيته.

يبدأ مولد السيد البدوي ما بين منتصف وأواخر شهر أكتوبر، أحد أهم المظاهر الدينية، ويقصده الآلاف من المصريين، وأبناء الطرق الصوفية والمجاذيب، ويضم المولد الأناشيد الدينية، وحلقات الذكر بمشاركة العديد من أقطاب الصوفية، ويعج بالمواطنين العطشى إلى الأجواء الصوفية وعبير الهيام في رحاب الله.

القناوي بن فاس

يروي أزكار أن الشريف الحسني عبدالرحيم بن أحمد بن حجون السبتي المالكي، هو المعروف بـ”عبدالرحيم القناوي”، وضريحه بمحافظة قنا، جنوبي مصر، وهو مغربي الأصل أيضا، ولد في مدينة فاس بالمغرب، ثم رحل إلى مكة وعاش فيها قرابة 6 سنوات، ورحل بعدها إلى مصر واستقر في الصعيد.

ويعتبر ضريح القناوي في صعيد مصر مزارا للأهالي في جميع ربوع محافظات الصعيد، فهو صاحب الكرامات، وبحسب المواطنين في محافظة قنا، ويعتقد بأن زيارة ضريح القناوي تشفي العليل، لذلك أصبح قبلة مواطني جنوب مصر.

أبوالعباس الأندلسي

يشير الشيخ المغربي إلى أن الشيخ شهاب الدين أبوالعباس أحمد بن حسن بن علي الخزرجى الأنصاري المرسي، والمعروف بـ”المرسي أبوالعباس”، ولد في عام 616 هجرية، في مدينة مرسية في الأندلس التي كانت تتبع دولة المغرب في ذلك الوقت، ومنها حصل على لقبه “المرسي”، والذي أصبح اسما متداولا في مصر بعد حذف لام التعريف، والذي يتصل نسبه بالصحابي سعد بن عبادة.

ويقبل المواطنون والمريدون من متبعي الطرق الصوفية، على زيارة ضريح أبوالعباس في ليلة الاحتفال في شهر رمضان من كل عام، في ليلة تتخللها الاحتفالات الدينية، والأناشيد الصوفية وحلقات الذكر، والعزف على العود، ويتجمع آلاف من المواطنين بالقرب من الضريح لتقديم النذور لـ”أبوالعباس”.

الشاذلي المغربي

يقول أزكار إن “الشريف الحسني تقي الدين علي بن عبدالله بن عبدالجبار المغربي” المعروف بالشيخ “الشاذلي” هو مؤسس الطريقة الشاذلية، نشأ بالمغرب الأقصى، ثم استقر بالإسكندرية قادما من تونس، بعدما تتلمذ على يد الشيخ عبدالسلام بن مشيش، أحد أكبر شيوخ الأقطاب الصوفية بالمغرب، وتوفي في عام 656، وهو في طريقه لأداء فريضة الحج، في منطقة عذاب بأقصى صعيد مصر، والواقعة بالقرب من محافظة البحر الأحمر، ودفن فيها.

ويعتبر مقام الشاذلي الواقع بجبل حميثرة في مدينة مرسى علم التابعة لمحافظة البحر الأحمر، قبلة المتصوفين من جميع أنحاء مصر، يمارس فيه “الحج الصغير” أو “حج الفقراء”، كما يطلق عليه المواطنين، وذلك بالتزامن مع موسم الحج كل عام.

كيف أتوا؟

يقول محمد البرداوي، 56 عاما، من مريدي الطريقة البودشيشية – أبرز الطرق الصوفية في المغرب – إن هجرة أقطاب المغرب الصوفيين إلى مصر كانت في موسم الحج، فمصر محطة مهمة للفقهاء المغاربة منها يتزودون بالقوت اللازم لرحلتهم.

ويضيف البرداوي أن توقف رحلات الأقطاب الصوفية بمصر من أجل الراحة، جعل أولياء الله الصالحين المغاربة يقيمون بمصر وينتشرون فيها، وخلق حلقات تواصل مع العديد من التلاميذ والمريدين المتعطشين للعلم والنور الإلهي.

الفقه المالكي

ويشير البرداوي إلى أن أولياء الله الصالحين استقروا في مصر عقب إتمامهم لفريضة الحج، بهدف نشر الفقه المالكي، ونشر الطرق الصوفية التي يتبعونها، وبالتالي كسب أنصار للففقه المالكي.

ويتابع الشيخ محمود الفاسي، 46 عاما، أحد مريدي الطرق الصوفية بالمغرب، أن المغاربة يعرفون العديد من أولياء الله الصالحين في مصر، ويعرفون أضرحتهم، ويعد من أبرزهم “السيد البدوي وأبوالحجاج، والسيد عبدالرحيم القناوي، وأبوالحسن الشاذلي”، ويزور الوافدين إلى مصر تلك الأضرحة، باعتبارها ضمن التاريخ الإسلامي والمغربي.

وينوه الفاسي بأن مصر نالت النصيب الأكبر من الدلتا إلى أقصى الصعيد من أضرحة أولياء الله الصالحين المغاربة، وتعلم العديد من المصريين التصوف من هؤلاء الأولياء الذين عاشوا في مصر، وتتلمذ العديد من أبناء الشعب المصري على أيديهم.

طقوس متشابهة 

في المغرب، يمارس المغاربة العديد من الطقوس التي تشبه الطقوس المصرية في مقامات أولياء الله الصالحين، فهناك العديد من مقامات أولياء الله الصالحين التي تعج بالمواطنين البسطاء، وأبناء الطرق الصوفية المختلفة الذين يباشرون الإعداد لتلك الطقوس قبل موعدها بأيام.

وبحسب صفية عرفان المراكشي، مغربية مقيمة بمصر، فإن مقام السيد إدريس بن عبدالله الهاشمي القرشي، والمعروف بـ”مولاي إدريس الأكبر” أول من دخل المغرب من الطالبين ومؤسس الدولة الإدريسية، يعتبر ضريحه الواقع بمدينة فاس مزارا لكل المغاربة من جميع أرجاء المملكة المغربية، ويحتفى به تحت رعاية الملك المغربي محمد السادس.

وتنطلق الاحتفالات بالمولى إدريس الأكبر بحفل تقديم “الكسوة” ثم تلاوة آيات من القرآن الكريم، بحضور منشدين وفرق “حمادشة وكناوة وعيساوة” والتي تعتبر أبرز فرق الإنشاد الديني بالمغرب، وتقام الليالي والحضرات في ساحة مسجد إدريس الأكبر، ويتم كذلك تسليم هبات ملكية في حفل لتلاوة آيات من الذكر الحكيم للشرفاء الأدارسة.

المراكشي تضيف أن هناك أيضا مقام وضريح مولاي إبراهيم، بمدينة مراكش بدولة المغرب، والمعروف عنه بالأسطورة الشعبية بأنه “واهب الذكور” للسيدات التي تنجب الإناث فقط، ويزوره المواطنون المغاربة طيلة العام، وخاصة في فصل الصيف، وهو يقع في قرية أمازيغية تعتبر منتجعا سياحيا، وينتشر به العديد من طقوس “الدجل والنصب والاحتيال” على زواره ومريديه، مثل الكف وكهانات يمتهن ما يسمى “بإذابة اللدون” من طرق فك السحر وبيع الحناء وماء الزهر بطريقة فيها ضغط على الزائر مع ترديد عبارات كـ”حن عليه يحن عليك”.

وأوردت أن ضريح مولاي مشيش، يقع أعلى جبل العلم، ويعتبر مولاي مشيش أحد أعلام الصوفية، تتلمذ على يده المتصوف أبي الحسن الشاذلي، ويتم الاحتفاء به بالتزامن مع موعد الحج كل عام في أجواء من التلاحم الروحي والحوار الديني.

وتشير إلى أن المغاربة يزورون جبل العلم والذي يعرف شعبيا بـ”حج المساكين”، ويزوره كل من لم تسعفه ظروفه للحج بمكة عند ضريح العلامة مولاي “عبدالسلام بن مشيش”، وتصعد الناس جبل العلم وكأنها تصعد جبل عرفة، فضلا عن جود مسجد كان مخصصا لخلوته أطلق عليه “مسجد الملائكة”.

نفس تلك الطقوس تمارس داخل ضريح السيد أبوالحسن الشاذلي في جبل حميثرة بمدينة مرسى علم بمحافظة البحر الأحمر، إذ يذهب إليه غير القادرين من المواطنين على أداء فريضة الحج بالمملكة العربية السعودية، ويصعدون إلى جبل حميثرة، حيث حج المساكين.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

الوسوم