متعة ومسيار وعقود غير موثقة.. “ولاد البلد” تحقق في انتشار مكاتب زواج السوريات بمصر

متعة ومسيار وعقود غير موثقة.. “ولاد البلد” تحقق في انتشار مكاتب زواج السوريات بمصر رسم تعبيري لإسلام القوصي

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

 

محطات كثيرة مؤلمة تمر بها العديد من السيدات والفتيات السوريات في مصر، لظروفهن الصعبة، ولعل تظهر قسوتها في حكايات مكاتب الزواج، التي كانت أكبر محطة موجعة لهن، حين استغل القائمون عليها الحياة الاقتصادية الصعبة، التي يعشنها وتعاملوا معهن كسلعة، تنتظر من يشتريها.

بدأت الحكاية عندما كثرت إعلانات شركات ومكاتب الزواج على مواقع التواصل الاجتماعي، التي يعرضون فيها توفير سوريات محجبات حسب الطلب “الأرملة والعذراء ومن معها أطفال” وكله بثمنه يأخذون الدين والشرع ستار لهم ومسميات لأبشع الجرائم يرتكبها سماسرة لإشباع رغبات جنسية لشباب متعثر ماديًا، بينما تزيد السوريات ألمًا وانكسارًا.

أسعار مناسبة وسرية تامة

“مقابل 500 جنيه مهر ولدينا آنسات ولكن بسعر أغلى”.. كانت هذه الكلمات التي سمعها محرر “ولاد البلد” عندما قرر خوض التجربة والاتصال بأحد المكاتب “الصوت مرفق بالتحقيق”، للاستفسار عن الزيجات المقدمة، وأكملت موظفة الاستقبال كلامها، “نحن نوفر لحضرتك الزواج الشرعي وزواج المسيار ويوجد لدينا أرامل ومطلقات.. المهر يبدأ من 500 جنيه حسب السن، أما الآنسات العذراء فالمهر يبدأ من 5000 جنيه، حسب السن القانوني للزواج”.

وتضيف المسؤولة عن شركة الزواج أنهم يوفرون الزوجات في سرية تامة، كما يوجد مقابلة للشخص المتقدم، حتى يتأكدوا من توافر الجدية في الزواج والحفاظ على حقوقها، موضحة أن عقد القران يتم في المكتب، حتى يتأكدوا من شرعية العلاقة على يد مأذون، وفي حالة زواج المسيار يتم على يد محامي تابع لهم، ويضمن كل الحقوق للزوج والزوجة ويكون بالاتفاق السليم بينهما.

وتشير الموظفة إلى أن عمولة المكتب لا تؤخذ إلا في حالة إتمام عقد القران والزواج، لأن الهدف الأول لهم هو “توفيق رأسين في الحلال” – كما عبرت، موضحة أن الطلبات تأتي إليهم من الرجال والنساء، مبينًا أنهم ليس إلا وسيط يفعل الخير، وعلى المتقدم أن يملأ استمارة الطلب عن طريقة الصفحة الرسمية للمكتب على موقع فيسبوك.

الفيديو التالي يوضح تسجيل صوتي لمكالمة مع الموظفة:

حكايات مؤلمة

تحدثنا السورية “روان. ه”، التي تبلغ من العمر 35 عامًا، عن تجربتها في هذا النوع من الزيجات قائلة “تزوجت أنا وشقيقتي عن طريق مكاتب الزواج، كانت التجربة في بدايتها مؤلمة، لكن كنا مضطرين لذلك، وبعد الزواج رأيت أن زوجي طيب وحنون ويعتني بي، كان شابًا في الأربعين وكان لا يملك الزواج من مصرية، ولكن شقيقتي طُلقت من زوجها بعد 6 أشهر كان حظها سيئ، حيث علمت بعد ذلك أن زوجها يريد أن يتزوج من سورية ثانية عن طريق المكتب نفسه فطلبت الطلاق”.

وتروي “سوسن. س”، قصة خطبة ابنتها من مصري “جاء شاب لخطبة ابنتي من مكتب زواج بعد أن قدمت لها هناك، فطلبت من المكتب أن يأتي في منزلنا بـ 6 أكتوبر ليتقدم حفاظًا على مشاعر ابنتي، وعندما قابلته وجدته شابًا خلوقًا، وخاصة أننا نعيش هنا بمصر بعد موت زوجي بالحرب في سوريا، وارتاحت له ابنتي لما بدا عليه من طيبة، وتزوجت منه بالمأذون الشرعي”.

وتكمل حديثها “نتيجة لظروفه المادية، وافقناه على تأجير شقة إيجار جديد، لكن بنفس المنطقة حتى أطمئن عليها من الحين للآخر، ولم نطلب منه أي مهر أو مقدم ومؤخر زواج، ولكن بعد شهرين من الزواج كانت شكوى ابنتي متكررة من سلوكياته فكان يسبها ويضربها كثيرًا، وذات مرة سألته عن سبب زواجه بها، فقال لها إنها ليست أكثر من نزوة بحياته، وضربها حتى أفقدها الوعي وأخذتها للمستشفى، وبعد ذلك طلبت منه أن يطلقها وتركها وفعل ذلك خوفًا من أن أحرر محضرًا له.

زاوج أم تجارة

تشير مفيدة الخطيب، منسقة رابطة سوريات، إلى أن هذه ليست الطريقة الوحيدة (تقصد مكاتب الزواج)، التي يتبعها بعض المصريين للزواج بالسوريات، موضحة أن ذات مرة قابلها شخص بالطريق، وعندما علم أنها سورية من لهجتها، طلب منها أن ترشح له سورية صغيرة ليتزوجها وينفق عليها، مع العلم أنه أبلغها أنه متزوج ولديه 3 أطفال.

وتوضح مفيدة أن زواج السوريات من مصريين شرعيًا لا يمر بأي إجراءات غير الإجراءات القانونية لزواج الأجانب، إلا أن العكس وهو زواج رجل سوري من امرأة مصرية أو حتى سورية، لابد أن يمر بمشيخة الأزهر، نظرًا لعدم ذكر الديانة في أي وثيقة رسمية سورية.

وتقول روعة الريس، مديرة مدرسة وسيدة سورية مقيمة في مصر “مشكلة زواج السوريات من مصريين أنها أصبحت ظاهرة غير مرغوب فيها، وما يحدث هو استغلال لظروف الفتيات السوريات الاقتصادية، وأحوالهن المعيشية المتردية”، موضحة أن هذه المكاتب تستغل حال الأسر الفقيرة السورية بعد نزوحها إلى مصر كلاجئين، مؤكدة أن الاستغلال قد يصل للمساومة على تزويج بناتهن من قبل المسجلين خطرًا والشباب العاطل عن العمل مقابل قليل من النقود.

ومن جانبها، تستفسر أماني عبده، كاتبة وشاعرة سوريّة، عن زواج اللاجئات السوريات متسائلة: هل هو زواج أم تجارة جنسية؟!، موضحة “المرأة السورية جاءت من بلادها لاجئة، لما تتعرض له سوريا من حرب لا ترحم صغيرًا أو كبيرًا، امرأة أو رجلًا؛ تحصد ما تلقاه في وجهها من غنائم بشرية. فرّت المرأة السورية من واقع بلادها الذي لا يرحم ظنًا منها أنها ستحيا واقعًا أكثر جمالًا ورحمة ورأفة بها، ولكن.. ماذا لاقت خارج بلادها؟ لاقت نظرة شفقة ممزوجة بدافع جنسي لدى الرجل الذي يلقاها، فاستغل حاجتها إلى المال والمسكن والكفالة، مما أنتج ظاهرة الزواج من السوريات بحجة “الستر والعفاف”.

حالات فردية

على النقيض، ينفى فراس حاج يحيى، محامي الائتلاف السوري المعارض، وجود مكاتب سماسرة لتزويج السوريات بمصريين فعليًا، مبينًا أنها ظاهرة انتشرت خلال فترة ومضت، لكنها حالات فردية لا يمكن تعميمها، لكن الإعلام يتعامل مع بعض الحالات على كونها ظاهرة عامة.

ومن جانبه يقول الدكتور مدحت عبد الهادي، مستشار العلاقات الأسرية والنفسية إن أي إنسان يضطر للتعامل مع نفسه كسلعة ليوفر لنفسه أمانًا وحياة مستقرة نوعًا ما، وبالتأكيد أن هذا نوع من الزواج قاسٍ جدًا على النفس ويجعلها تشعر بالتوتر، وهو ما يعرضها في بعض الأحيان لأن ترضى بأي شكل من أشكال الارتباط، ما قد يجعلنا ندخل في مشكلة مثل فارق السن الكبير.

ويشير إلى أن هذا يؤدي إلى ما يسمى “الخلل في التأقلم”، ويعني أن تكون في وضع تشعر فيه أنك كالفأر في المصيدة، لا أستطيع التأقلم مع الوضع، ولا أستطيع الخروج منه، وهذا يسبب حالة من التوتر الشديد وبعض الأعراض الاكتئابية التي من الممكن أن تكون زائدة، وربما تؤدي إلى حالات انتحار.

ويوضح عبد الهادي أن التأقلم على الحياة في وجود فروق ثقافية يؤدى للتوتر والصدام الحضاري الذي يحدث، لكن إذا لم يحدث هذا ستدخل في ما يعرف بـ”الخلل في التأقلم”.

تحذيرات سابقة

“يأخذ الأمر أبعادًا أخرى”.. كما يشير المحامي المصري يوسف المطعني على صفحته عبر موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، حيث حذر السيدات السوريات من الانخراط وراء الأمل بمنحهم إقامات على الزواج الصوري، الذي تؤمنه بعض الجهات طلبًا للحصول على إقامة في مصر، مشيرًا إلى أن هذا الزواج غير شرعي أساسًا، لأنه قائم على غرض لا يمت للعلاقة الزوجية الشرعية بأي صلة، فضلا عن كونه يسبب العديد من المشكلات، التي قد تظهر في المستقبل.

مخالفة للقوانين والأعراف

رغم تأكيد المجلس القومي للمرأة على ضرورة احترام السوريات، وعدم استغلال ظروفهن بعرضهن للزواج، روجت شركة زواج في إعلان لها عن توفيرها للسوريات والمنقبات والمحجبات الملتزمات، مصنفة بذلك المرأة حسبما يرغب السوق.

وانتشر على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، إعلانًا لشركة تدعى “البسمة” ومقرها بدمنهور كتب فيه أنهم يوفرون الآنسات والأرامل والمطلقات، وخصصت تصنيفًا للسوريات النازحات إلى مصر خلال الحرب السورية، الأمر الذي سبب موجة من الانتقادات، وتأكيد النشطاء على ضرورة معاملة أي سيدة بالمثل، أيًا كانت جنسيتها، مع وضع مكانة خاصة للنساء السوريات، وكفى بهن ما يعانينه من ظروف سيئة بالفعل.

يذكر أن الاتحاد العالمي للمرأة المصرية بأوروبا طالب الرئيس الأسبق محمد مرسى في خطاب له، بالتدخل الفوري لوقف زواج السوريات الموجودات كضيوف بمصر من الشباب المصري مقابل 500 جنيه للزوجة، وانتشار ذلك بمدن 6 أكتوبر، والقاهرة الجديدة، والعاشر من رمضان، ومحافظات الإسكندرية، والدقهلية، والغربية، وقنا، مشيرًا إلى أن عدد هذه الزيجات بلغ 12 ألف حالة زواج خلال عام واحد.

الوسوم