ثمة علاقة وثيقة بين فقدان الوعي وصناعة الفرد، فمما لا شك فيه إن فقدان الوعي يجعل الأمة تعيش حياة خالية من مضمون شاحذ للهمم ولا هدف دافع للمعالي لأن فقدان الوعي يعني غياب العقل أو تغييبه.

وما جاء القرآن إلا ليحيي موات عقول انشغلت بتوافه الأمور وتناست أنه لا يمكن لعقل يقظ أن يعبد أحجارًا من دون الله لا تنفع ولا تضر.

وعندما كانت هذه تستيقظ من نومها وتنتبه من غفلتها كانت تحتقر نفسها ساعة تذوقها ما جاء به القرآن من حلو الكلم وجميل اللفظ وخطاب القلوب والعقول التي ما كان لها سوي أن تعود إلى صوابها.

وقد أشار إلى ذلك، القرآن في قول الله تعالي: (وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات).

لقد مرت أمم بما مرت به أمة العرب حيث عاشت عصور ظلام عندما فقدت وعيها وما تقدمت إلا عندما أحيت موات وعيها فقدمت للبشرية يقظة عقلية عارمة ولكنها حياة جزئية تعرف الخلق ولا تعرف الخالق وتعرف اليوم، ولا تعرف الغد، كما يقول الشيخ الغزالي، رحمه الله، حيث شبهها بأبي الهول القابع عند الأهرام في مصر له وجه إنسان وجسم حيوان، فلا وعي إلا بالإسلام، وطريقة صناعته للفرد، لأن الإسلام روح يسري في الأمة فينير بصرها وبصيرتها ويمكنها من علوم الأرض كما يمكنها من علوم السماء.

وقد بين ذلك الله في قوله تعالي: (وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا).

لقد جاء الإسلام فأعاد إلى البشرية وعيها وصنعها على عينه وانتشلها من جهلها وضياعها فأنقذها من الدمار وكرم إنسانها وطلب منه أن يعيد وعيه بالعلم والمعرفة.

إن بلادنا في أمس الحاجة إلى من يقوم على صناعة الوعي والحرص عليه لأنه أهم مما سواه فهو الزاد الذي يعصم البلاد من دعوات الفوضى، ودعاة الفساد، وذلك لا يتم إلا بالتعليم والعلم والمعرفة والثقافة.

إن الفقر الثقافي أسوأ عقبى من الفقر المالي، لذلك كانت صناعة الأفراد لا تتحقق إلا بالتكاتف والتعاون من الجميع، وهذا ما حرص عليه الرسول صلي الله عليه وسلم عندما خطب ذات يوم فأثني على طوائف من المسلمين خيرًا ثم قال: (ما بال أقوام لا يفقهون جيرانهم ولا يعلمونهم ولا يعظونهم ولا يأمرونهم ولا ينهونهم؟ ما بال أقوام لا يتعلمون من جيرانهم ولا يتفقهون ولا يتعظون؟ والله ليعلمن قوم جيرانهم ويفقهونهم ويعظونهم ويأمرونهم وينهونهم وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتفقهون ويتعظون أو لأعجلنهم العقوبة.

ثم نزل فقال قوم: من ترونه قصد بهؤلاء؟ قال: عني وقصد الأشعريين فاتهم قوم فقهاء ولهم جيران جفاة من أهل المياه والأعراب فبلغ ذلك الأشعريين فأتوا رسول الله صلي الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله ذكرت قومًا بخير وذكرتنا بشر فما بالنا؟ فقال رسول الله لهم مرة أخري: ليعلمن قوم جيرانهم وليعظنهم وليأمرنهم ولينهونهم وليتعلمن قوم من جيرانهم ويتعظون ويتفقهون أو لأعجلنهم العقوبة في الدنيا فقالوا: يا رسول الله أنفطن غيرنا؟ فأعاد عليهم قوله فأعادوا قولهم: أنفطن غيرنا. فقال ذلك أيضا فقالوا: أمهلنا سنة، فأمهلهم سنة ليعلموهم ويفقهوهم ويعظوهم. ثم قرأ رسول الله هذه الآية: (لعن الذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه).