شتاء الإسكندرية حزين.. انهيار العقارات يحصد أرواح الغلابة

شتاء الإسكندرية حزين.. انهيار العقارات يحصد أرواح الغلابة انهيار العقارات بالإسكندرية - تصوير نشوى فاروق

 

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

“ركام عقارات منهارة و أثاثات متهالكة و سيدات بملابس البيت يصرخن ويبكين من هول الصدمة، ورجال مُتشحين بالتراب والغُبار الأبيض ينتشلون بقايا محتويات منازلهم، وأطفال يختبئون في أحضان أمهاتهم غير مدركين للموقف”.. موقف أصبح يتكرر في العديد من أحياء الإسكندرية عقب انهيار كل أو أجزاء من المنازل المتهالكة مع قدوم الشتاء.

انهيار العقارات.. ظاهرة أصبحت مرتبطة بفصل الشتاء في محافظة الإسكندرية دون غيرها من محافظات الجمهورية، وهو ما يفسره الخبراء بتردي البنية التحية لمحافظة الشمال، وكذلك عدم اهتمام المواطنين والمسؤولين معا بتنفيذ القرارات الصادرة بإزالة العقارات الآيلة للسقوط والتي تهدد أرواح المواطنين في الأحياء الفقيرة.

بداية الغيث

ومع مستهل فصل الشتاء بدأت المعاناة في الإسكندرية، حيث انهار جزء من عقار كائن بشارع العمال، بدائرة قسم شرطة كرموز منذ يومين، و العقار مساحته 80 متر مربع تقريباً “بناء قديم” مكون من أربعة طوابق، ويقطنه ثلاث أُسر وتبين من فحصه سقوط سقف غرفه بالطابق الأخير  حتى سطح الأرض “دون حدوث إصابات”.

الحج أحمد محمد، 58 عاماً، هو أحد السكان الذين رفضوا تنفيذ قرار الإخلاء الصادر من النيابة العامة، حيث يقول في البداية إنه وقع علي قرار الإقامة في العقار هو وأسرته المكونة من زوجته و 5 أبناء علي مسؤوليتهم الشخصية لعدم وجود سكن بديل، مؤكداً أنه يعتبر هذا القرار هو توقيع رسمي منه على موته لأنه يعلم جيداً أنه إذا ترك شقته سوف يعيش على الرصيف هو وأسرته.

وتابع محمد: “العقار كان متهالك وذهبنا كثيرا للحي والمحافظة لكي نحصل علي قرار ترميم من قبل الدولة، ولكن لم يغثنا أحدا ونحن لا نملك مليما واحدا لترميم العقار، وأرسلنا مئات الشكاوى دون فائدة” مؤكدا أنه قبل العيش في منزل متهالك حتى يضمن الموت داخل بيته وليس في الشارع بحسب وصفه، مؤكدا انه لا ينتظر عطف المسؤوين عليه بمنحه شقة تابعة للدولة أو الموت في طابور الانتظار.

وواصل محمد حديثه قائلاً: أنا لا أملك سكن بديل لأنني أعيش بمعاشي البالغ 500 جنيه فقط، وهو معاش التضامن الاجتماعي لأني لم أعمل بالحكومة من قبل وكان عملي على باب الله “فاعل”، متسائلاً: كيف لي أن أدبر سكن آخر، ما جعلني أقرر أن أحمل روحي على كفي أنا وأولادي فهذا قدرنا”  واختتم حديثه بقوله: “حسبنا الله ونعم الوكيل” في الحي والمحافظة.

إقرار الموت

عقار الحج محمد لم يكن الوحيد الذي انهار الأيام الماضية، فهناك آخر بحي الازهار بمنطقة كرموز غربي محافظة الاسكندرية، والذي أنهار جزء منه في يوم 10 نوفمير الحالي، وهو مكون من 4 طوابق، وقررت قوات الشرطة إخلائه من السكان أيضا خوفا على حياتهم.

فيما يؤكد حمدى الفخرانى، 35 عاماً، ميكانيكي، وأحد سكان العقار، أنه وقع على قرار الإقامة على مسؤوليته الشخصية هو وأسرته الصغيرة المكونة من زوجته وأبنائه خالد، 7 سنوات، ومؤمن، 12 عاما، لأنه لا يملك ثمن شراء أو حتى تأجير سكن بديل لأن راتبه الشهري 1000 جنيه فقط موزعين بين مصاريف طعام ومدارس ومواصلات وفواتير ماء وكهرباء.

وأكد الفخراني، أنه أرسل مئات الشكاوي إلى محافظة الإسكندرية لكي يقوموا بتيعين لجنة هندسية لترميم العقار لعدم مقدرة سكانه علي دفع ثمن الترميم ولكن جميعها كان يلقي بها في سلة المهملات.

العناية الإلهية

في حي المنشية وسط المحافظة بشارع القاضي جمال الدين، انهار منزل آخر يوم 8 نوفمبر الحالي، وبفحصه تبين أن العقار مساحته حوالى 120 متر مربع بناء قديم “أسقف خشبية وحوائط حاملة” مكون من ثلاثة طوابق بكل طابق شقتين “مأهول بالسكان” وسقطت أجزاء من الجهة الخلفية للعقار دون حدوث إصابات.

في البداية تقول الحاجة أم محمود، أحد سكان العقار: “أثناء جلوسي بصالون الشقة شعرت بميل وتقلب غريب للمنزل فظننت في البداية أنه زلزال قوى فقُمت على الفور بأخذ أولادي ونزلنا إلى الشارع بملابس النوم”.

وتضيف: “هرولت سريعا إلى خارج المنزل وتدافع خلفي السكان في الفرار من الموت المحقق.. وحين نزلنا إلى الشارع وجدنا ضبابة بيضاء وسحابة قوية جراء تراب الانهيار وأصوات صراخ وعويل الأطفال والنساء، ثم انهار العقار بالكامل بعد أن خرجنا بلحظات وهو المكون من 4 طوابق بكل طابق شقتين مأهول بـ 7 أسر، وسقط وحمدنا ربنا على خروجنا أحياء قبل أن يردمنا التراب”.

ويلتقط منها خميس صبيح، أحد السكان، أطراف الحديث قائلا: إن العقار لم يصدر بشأنه أي قرارات إزالة أو الترميم، مؤكداً أن المطر الطفيف هو الذي أدي لتذويب العقار وسقوطه بهذا الشكل المفاجئ، مشيراً إلي أنه حتى الآن جاء لهم مندوب من الحي أخبرهم بأن المُحافظ سوف ينظر في أمرهم في القريب العاجل وحتى كتابة هذه السطور لم يفعل لهم شيئا.

و طالب صبيح من اللواء الدكتور رضا فرحات، مُحافظ الإسكندرية، توفير مساكن بديلة على وجه السرعة لأنهم لا يملكون شراء أو تأجير سكن يؤويهم.

مخالفات  هندسية

الدكتور محمد عبد السلام، الأستاذ بكلية الهندسة بالإسكندرية، يؤكد أن السبب في انهيار العقارات بالثغر هو القيام بأعمال بناء للعقارات دون وجود رسومات هندسية توضح كيفية التعامل مع المبنى، مؤكدا أن الكارثة هو عدم وجود مهندس من قبل الحي التابع له العقار يقوم بعمل اختبارات للتربة الواقع عليها العقار وتسمي “جسات” لقياس درجة خُصوبة التُربة.

 ويعتبر عبد السلام، أن حل الأزمة يكمُن في عدة وسائل للتغلب على هذه الظاهرة، وهي تغيير الهيكل التنظيمي والإداري لأجهزة إصدار تراخيص البناء، والقضاء على الفساد وإخلاء كافة العقارات القديمة الآيلة للسقوط بعد قياسها بالمجسات وبناء مدن جديدة، مؤكدا أن حي كرموز والجمرك مهددين بالانهيار مع أي موجة شتاء ومطر شديدة.

الكارثة بالأرقام

الإحصائية السنوية الصادرة عن مديرية أمن الإسكندرية، تؤكد أن أعداد المحاضر التى تم تحريرها بعقارات انهارت كاملة وأخرى انهار منها أجزاء وأسقف فقط، بلغت في 2012 نحو 983 عقاراً، بينما ارتفعت تلك النسبة مع بداية عام 2013 وحتى الآن حيث وصلت إلى 1891 عقاراً انهار بالكامل، فيما وصل عدد العقارات المنهارة جزئيا إلى 3956 عقاراُ.

الأسباب

“السبب الرئيسي في انهيار العقارات بالإسكندرية وهو تكرار انفجار مواسير المياه ومواسير الصرف الصحي المدفونة تحت الأرض، لأن المباني تتآكل من كثرة المياه الراقدة أسفلها، ما يؤدي بها إلى الانهيار المُفاجئ” هكذا فسر الباحث سمير علام، الخبير الجيولوجي بالإسكندرية أزمة انهيار العقارات بالمحافظة.

وأوضح علام، أن المناطق الساحلية القريبة من البحر تكون التُربة فيها رملية مثل الإسفنج الجاف مليئة بفراغات الهواء وعند تشربها الماء تصبح رخوة وتنهار التُربة، ما يؤدي إلى هبوط الأرض وميل العقار أو انهياره فجأة، مؤكدا أن هذا الشتاء سيكون صعب على الثغر وقد يضرب معظم عقاراتها القديمة بسبب ليونة التُربة وخصوبتها من جراء انفجار مواسير الصرف الصحي.

ويرجع علام، إلي أن الحل هو تبديل مواسير المياه المدفونة تحت الأرض إلى المواسير المعلقة وهي عبارة عن بلاستيك خام وذلك بالنسبة للعقارات حديثة البناء، مطالبا المُحافظة بضرورة تشكيل لجان من الخبراء الجيولوجيين لفحص أراضي العقارات القديمة منعا لانهيارها وسقوط ضحايا لا ذنب لهم سوى إهمال المسئولين.

المحافظ والعشوائيات

من جانيه أكد اللواء الدكتور رضا فرحات، مُحافظ الإسكندرية، أن مسلسل انهيار العقارات قديم من قبل المحافظين والمسؤولين السابقين الذين تهاونوا في مسؤوليتهم تجاه أرواح المواطنين، مؤكدا أنه أمر بتشكيل لجنة هندسية على مستوي عال لتمشيط كامل لكافة العقارات المُنهارة وحصرها حتى تتلاشى الأزمة.

وأضاف فرحات، أن المحافظة ووزارة التضامن الاجتماعي والمنطقة الشمالية العسكرية والمجتمع المدني، يسعون جميعا إلى توفير وحدات سكنية للأسر الأولى بالرعاية تنفيذا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية بتوفير سكن يليق بقيمة الإنسان المصري.

ويوضح فرحات، أن المحافظة تعمل خلال الفترة المقبلة على تطوير كافة المناطق العشوائية وغير المخططة بالمحافظة وإقامة عقارات سكنية بديلة للمتضررين والذين فقدوا مأواهم، خلال العامين القادمين، مشيرا إلى قام بتسليم ٤٨ وحدة سكنية للأولى بالرعاية، بمشروع بشاير الخير ١ بمنطقة غيط العنب بدعم من أحد رجال الأعمال، برفقة الدكتورة غادة والي وزيرة التضامن الاجتماعي واللواء محمد الزملوط، قائد المنطقة الشمالية العسكرية. 

الوسوم