الممر القطبي.. هل تهدد التغيرات المناخية مكانة قناة السويس الملاحية؟

الممر القطبي.. هل تهدد التغيرات المناخية مكانة قناة السويس الملاحية؟ خليج السويس وقناة السويس- المصدر: ويكبيديا

أدى تسارع وتيرة ذوبان الجليد في البحر المتجمد الشمالي مع تعاظم ظاهرة الاحترار العالمي، إلى تزايد الاهتمام العالمي باستغلال الموارد الطبيعية للقطب الشمالي، ومن بينها استخدامه كطريق ملاحي يوفر الكثير من الوقت والمال، ومنها الممر الجديد الذي دعت الصين مؤخرا السفن لسلوكه، وهو الطريق الذي يتوقع أن يكون منافسا لقناة السويس خلال العقدين المقبلين.

وكانت مصر قد أنفقت منذ قرابة العامين نحو 8.5 مليارات دولار لتوسعة مجرى قناة السويس، بهدف زيادة القدرة الاستيعابية لها، وحفر قناة موازية للمجرى المائي الحالي، الذي يبلغ طوله بعد آخر تطوير أُجري للقناة في عام 2009 نحو 192 كيلومتر، ويبلغ طول القناة الموازية 72 كيلومتر، كجزء من البرنامج الانتخابي للرئيس عبد الفتاح السيسي.

لكن آخر إحصاءات رسمية لإيرادات قناة السويس، تُظهر انخفاضها إلى 395.2 مليون دولار في يناير من 414.4 مليون في ديسمبر من عام 2015.

وبلغت إيرادات القناة 411.8 مليون دولار في يناير 2016، ما يعني تراجع إيراداتها 3.3 في المئة إلى 5.005 مليار دولار، مقابل 5.175 مليار في 2015، كما انخفض عدد السفن التي مرت بالقناة العام الماضي مقارنة بالعام السابق من 17 ألفا و483 سفينة في 2015 إلى 16 ألفا و933 سفينة في 2016، طبقا لإحصاءات هيئة قناة السويس.

تتوقع هيئة قناة السويس ارتفاع الإيرادات من مرور السفن إلى 13.2 مليار دولار سنويا بحلول عام 2023.     

تحركات صينية

رغم أنها يفصلها عن المحيط المتجمد الشمالي مساحة شاسعة هي جمهورية روسيا الاتحادية، إلا أن الصين قررت تعزيز استثماراتها في قطاع التعدين بالمنطقة، كما دعت الصين السفن البحرية إلى استخدام طريق ملاحي جديد يمر عبر القطب الشمالي.

وفي سبتمبر من عام 2013، وصلت سفينة البضائع الصينية “يونج شينج Yong Sheng” إلى ميناء روتردام الهولندي المطل على بحر الشمال، بعد رحلة استغرقت 33 يوما بدأت من داليان Dalian شمالي شرق الصين، عبر مضيق بيرنج في روسيا، لتكون أول رحلة تجارية تسلك هذا الطريق.

وأصدرت إدارة سلامة الملاحة الصينية في وقت سابق، دليلا يقع في 356 صفحة باللغة الصينية يحتوي على تعليمات مفصلة للإبحار من الساحل الشمالي لقارة أمريكا الشمالية إلى المحيط القطبي الشمالي، كوسيلة للترويج للطريق الجديد، واحتوى الدليل على أشكال بيانية عن حالة الملاحة وظروف الطقس.

الصين ليست وحدها التي قررت التوجه شمالا والاستغناء عن مسار قناة السويس التقليدي، فقد بدأت كوريا الجنوبية وسنغافورة والهند إنشاء سفن شحن قادرة على تحمل الظروف المناخية القاسية والجليدية.

كما شرعت روسيا في إنشاء أسطول من كاسرات الجليد لتعبيد الطريق الجديد ورفع كفائتها لاستقبال سفن الشحن الدولية، إضافة إلى تزويدها بموانئ بطول الساحل.

تصدر روسيا حديثا قرابة الـ600 تصريح عبور سفن سنويا من الطريق القطبي.

وفي أحدث تحرك روسي في هذا الشأن، أبحرت سفينة شحن روسية على متنها مواد بترولية من ميناء هامرفست النرويجي إلى ميناء بورينح في كوريا الجنوبية بدون الحاجة لاستخدام كاسرات الجليد. استغرقت الرحلة 19 يوما، أي أسرع بـ 30 % من الطريق التقليدية المارة بقناة السويس.

تهديد لقناة السويس

يرجح محللون مختصون أنه بحلول عام 2020 أن تتجه نحو 15% من التجارة الدولية للصين نحو القطب الشمالي عبر الطريق الذي يقلل من المسافة بين أوربا والصين، وهو ما سيوفر 180 ألف دولار أمريكي ويخفض استهلاك الوقود، وفق موقع القطب THE ARCTIC المدعوم من الجمعية الجغرافية الروسية.

ويرى الخبير الدولي للنقل البحري واللوجستيات، والمستشار السابق لوزير النقل لقطاع النقل البحري، أحمد سلطان، أن قناة السويس ستظل هي الشريان الرئيسي للتجارة الدولية بين الشرق والغرب.

ويعتقد سلطان أن الطريق القطبي الجديدة لن تؤثر على قناة السويس، وأن أي حديث عن منافس لها هو “كلام فارغ”، ولا يجب على الهيئة تخفيض رسوم المرور عبر المجرى الملاحي للقناة، وإنما فقط عليها أن تقوم بدور جيد في التسويق والتوسع في الخدمات اللوجيستية.

وفي حوار سابق له، يقول رئيس هيئة قناة السويس، الفريق مهاب مميش، إن الممر القطبي الجديد لن يؤثر على حركة الملاحة بالقناة التي قال إنها ستظل أهم ممر ملاحي يربط الشرق بالغرب.

وينفي مميش التأثير المحتمل للمر القطبي على حركة التجارة بالقناة، مشيرا إلى أن الملاحة به لن تكون طوال العام لتجمد المياه.

الطريق الجديد يمر عبر الساحل السيبيري شمالي روسيا، وهو ما يعني للصين قربا جغرافيا أكبر، أقصر بنسبة 30% من الطرق التقليدية، لتكون الرحلة البحرية من شنغهاي إلى ميناء هامبورج الألماني أقصر بـ2800 ميل بحري عن الطريق المار عبر قناة السويس.

ويؤدي سلوك الطريق الجديد إلى استهلاك كميات أقل من الوقود، وما يتبعه من تخفيض كميات انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، فضلًا عن أنه أكثر أمانا وأبعد عن الصراع السياسي في منطقة مضيق باب المندب، وهجمات القراصنة في خليج عدن، كما يبعد الصين عن ممرها التقليدي عبر مضيق ملقا بين ماليزيا وإندونيسيا، خاصة مع تأزم الخلاف بين الصين ودول جنوب شرق آسيا حول بحر الصين الجنوبي.

صلاحية مؤقتة ومخاطر محتملة

يشير الدكتور مجدي تراب، الأستاذ بجامعة دمنهور، رئيس الجمعية المصرية للتغيرات البيئية، إلى تأثير ارتفاع درجات الحرارة على زيادة معدلات انصهار الجليد وفتح الطريق الجديد في القطب الشمالي.

ويقول تراب إن قياسات علمية أجراها هو وعدد من الباحثين الأوروبيين على 34 من الثلاجات الجليدية في جبال الألب في إيطاليا والنرويج، إضافة إلى دراسة معدلات النحر في دلتا نهر النيل بمصر، تشير إلى تسارع عمليات انصهار الجليد وارتفاع منسوب سطح البحر.

ويوضح أستاذ الجيومورفولوجيا أن ثلاجة “جوستندالسبرين Jostedalsbreen” أكبر ثلاجة جليدية بأوروبا وتقع شمالي النرويج وتبلغ مساحتها 487 كم2، سجلت تراجعًا حادًا في حجمها خلال السنوات الأخيرة، ما يعزز من مشروعات النقل البحري بالمنطقة.

لكن تراب يتوقع ألا يكون الطريق صالحًا للملاحة طوال العام، نظرا لطول مدة الشتاء الشمالي الذي قد يستغرق ستة أشهر، وهو ما سيعوق الملاحة البحرية ويشكل خطرا على السفن.

ويتوقع الجغرافي سكوت ستيفان Scott Stephenson الأستاذ بجامعة كونيتيكت الأمريكية، بعد دراسته للملاحة في القطب الشمالي أن يصبح الطريق القطبي الجديد عبر روسيا أكثر سهولة في المرور قريبا جدا، كما ستمتاز الطريق بعدم سيادة أي دولة عليها، وعدم دفع رسوم مرور باهظة، ويتوقع أن تهدد الموانئ الروسية.

كما يتنبأ الفريق البحثي الذي يقوده البروفيسور لورانس سميث Laurence Smith أنه بحلول عام 2050 ستكون السفن قادرة على الملاحة في الطريق الشمالية دون الحاجة إلى كاسرات الجليد، عابرة الساحل الروسي بمسافة أقصر بـ40% (12 يوما) من طريق قناة السويس، وفق تقرير لصحيفة التليجراف البريطانية.

الوسوم