لهذه الأسباب نحن نتحدث اللغة القبطية

لهذه الأسباب نحن نتحدث اللغة القبطية اللغة المصرية القديمة

“وحوي يا وحوي.. خلاص بح.. امشي تاتا.. مفيش” مصطلحات يصعب حصرها، يستخدمها المصريون دون أن يعلموا أن لها أصولا لغوية تمتد إلى اللغة المصرية القديمة.

والواقع أن الألفاظ لا تصنع لغة، أما الذي يصنع اللغة فهو النحو والصرف، وهو ما يذكره عصام ستاتي، الباحث في المصريات، في كتابه “اللغة المصرية الحالية”، إذ أبرز عدة قواعد نحوية وصرفية لها أصول من اللغة المصرية القديمة، فالأمر لا يقف عند ألفاظ فقط.

قبل الحديث عن علاقة العامية المصرية الحالية بالقبطية، لا بد أن نعرف أن اللغة القبطية هي آخر مرحلة من مراحل تطور اللغة المصرية القديمة، بحسب مطبوعة أصدرتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونيسكو” عام 1979 وأعيد نشرها 2014 حملت اسم “التسامح في كلمات”.

المطبوعة ذكرت أيضًا أن اللغة المصرية القديمة إحدى اللغات السامية في أصلها الهيروغليفي، على عكس اللغة القبطية التي اعتمدت على الأبجدية الإغريقية فيما بعد.

وفي كتاب “القبطية العربية” يقول الدكتور فهمي خشيم، عميد كلية اللغات بطرابلس في الفترة 1988، يبدو من تتبع آثار هذه اللهجة “يقصد القبطية” أنها صارت لغة معترف بها ومستعملة في الحياة الدينية كما في الحياة العامة، أوائل القرن الثالث بعد ميلاد المسيح، واستمر استعمالها حتى القرن السابع عشر.

مراحل حياة اللغة المصرية

كتبت اللغة المصرية القديمة بخطوط أربعة هي: الهيروغليفي والهيراطيقي والديموطيقي والقبطي، ولم تظهر هذه الخطوط في وقت واحد بل جاءت في إطار تتابع زمني طويل.

الخطوط المصرية
الخطوط المصرية

والهيروغليفية هي أقدم لغات المصريين وهي كلمة يونانية مركبة من هيروس بمعنى مقدس وغليفو  بمعنى خط، وهي نفس ما أطلقه المصري القديم على لغته “نترخيرو”  أي الكلام المقدس، وبدأ استعمالها قبل التاريخ  واختفى التعامل بها تماما في أواخر القرن الرابع الميلادي، واستعملت كنمط كتابة رسمي لتسجيل الأحداث على المعالم والنصوص الدينية.

أما الهيراطيقية فهي نوع من الكتابة المصرية القديمة كتبت برموز مبسطة للرموز الهيروغليفية، فهي طريقة مختصرة للكتابة للأغراض العملية.

والديموطيقية هي أحد الخطوط المصرية القديمة، التي استخدمت في تدوين النصوص الدينية، ونصوص تدريب الكتبة والرسائل والوثائق القانونية والتجارية لدى المصريين القدماء.

أما القبطية فهي آخر مرحلة من مراحل المصرية القديمة، واستخدمت صياغة اللغة المصرية بصفة عامة والخط الديموطيقي بصفة خاصة.

وينبغي أن نشير إلى أن لفظ قبطي من الأصل قبط هي تحريف ايجيبتوس وتعني مصري.

التطور اللغوي

العصور الزمنية الطويلة التي مرت على مصر، أثرت بشكل ما على اللغة المصرية القديمة، وكان من نتائج ذلك التغيرات التي حدثت في قواعد الهجاء والصوتيات وقواعد النحو.

وهنا لابد أن نشير إلى نوعين من التطور: التطوراللفظي، وهو ما يدخل على الكلمات من تبدل وتغير في النطق أو القلب والإبدال، والتطور الدلالي: وهو ما يجري على المفردة من تغير في المعنى، فتنصرف إلى معنى آخر قريب من المعنى الأول، وهو ما حدث في رحلة اللغة المصرية منذ نشأتها حتى وصولها إلى اللغة الحالية، بحسب علي فهمي خشيم في كتابه القبطية العربية.

هل نستخدم قواعد النحو القبطية؟

نعود إلى ستاتي، الذي يرى أن المصريين استطاعوا أن يخلطوا بين اللغة العربية والقبطية “اللغة المصرية في آخر أطوارها”، ليخرجوا لغة جديدة مولّدة تجمع بين قواعد اللغة القبطية وبعض ألفاظها وبين العربية ونطقها وألفاظها، إلى أن وصلت إلينا بشكلها الحالي بعد رحلة طويلة تعرضت فيه لتطورات عدة.

اللغة المصرية القديمة
اللغة المصرية القديمة

الأدلة التي ساقها ستاتي ليثبت أننا نتحدث لغة بقواعد نحو قبطية كثيرة، منها أن اللغة المصرية القديمة في جميع خطوطها  لاتعترف بصيغة المثنى، وعلى نفس الأمر تسير لغتنا الحالية.

كما أن المصري لا يفرق بين المؤنث والمذكر في الجمع، وهو ما يتفق أيضًا مع اللغة المصرية القديمة، وكذا في أسماء الإشارة فنحن لا نعرف إلا أسماء الإشارة: دي ودا ودولا، وهو ما يتطابق مع اللغة المصرية القديمة.

وبالمناسبة فإن أصل دولا يرجح أن تكون اشتقت من دا للمذكر المحرفة من ذا العربية، ثم أضيف إليها الواو، التي تعبر عن الجمع  في المصرية القديمة ولتأكيد الجمع أضيف إليها “لا” القبطية التي تعني كثير.

و يتبقى أن نقول أن أسماء الإشارة تأتي في اللغة المصرية القديمة بعد الاسم لا قبله، فنقول مثلا “الولد دا” لا “هذا الولد” كما يُقال في العربية.

سبب قولنا “ماعرفش” 

وقد عرفت المصرية  القديمة نوعين من الاسم الموصول، هما الاسم الموصول الخاص والاسم الموصول العام، فالاسم الموصول الخاص هو “نت” للمذكر و”نت-ت” للمؤنث و”نتو-نتي-و” للجمع، بالإضافة إلى اسم عام يستخدم في كل الأحوال هو “نت”بالهيروغليفي و”أي” بالقبطية.

وفي لغتنا الحالية نستخدم اسمًا واحدا، وهو المكون من “أل” العربية و”أي” القبطية لتصبح “اللي”، لتخضع لغتنا إلى بنية القبطية.

وفي العامية المصرية عندما نريد النفي نضع الفعل بين  “ما” و”ش” لتصبح بنية الجملة المنفية  “ما+الفعل+ش” مثل: ماعرفش- مافهمش.

أما الطريقة الثانية التي نستخدمها للنفي فهي وضع “مش” قبل الكلمة مثل مش عارف- مش أنا- مش رايح.

سيدة مصرية تتعلم الكتابة بالعربية- 1962
سيدة مصرية تتعلم الكتابة بالعربية- 1962

والرجوع إلى اللغة القبطية يدلنا على أنها “أي اللغة القبطية” استخدمت حرف نفي يُنطق “م” وأصله “ن” بمعنى لا أو ليس، أما “ش” فهي نفس نطق الفعل يقدر أو يستطيع بالقبطية، بالإضافة إلى أن طريقة النفي تلك تتوافق مع بنية النفي في المصرية القديمة، التي تضع الفعل بين أداتي نفي.

العجيب أن العلامة المتممة للنفي “ش” في المصرية القديمة، وهي يدان مرفوعتان بجوار بعضهما تشبه الإشارة التي يفعلها المصري بيده عند النفي.

“إزاي” و”إمتى”

وفي اللغة المصرية يؤدي التنغيم دورًا مهما في الاستفهام والنداء بحسب نغمة الصوت، وبدلا من السؤال: هل ذهبت أو هل أكلت، نقول بالعامية أنت أكلت؟ وهو ما يتوافق مع القبطية.

أما في السؤال عن السبب يمكن ان نسأل “إزاي” فهل  نعلم أن “ازاي” هي تحريف الكلمة القبطية  “إتاي”، التي كانت تستخدم في السؤال عن السبب أيضًا.

أما عندما نسأل عن الوقت فإن لغة المصريين استطاعت أن تهضم متى العربية و”إتنا” القبطية التي تحمل نفس المعنى لتخرج كلمة جديدة هي إمتى، حتى هذه الكلمة أخضعها المصريون للغتهم القديمة.

ونفس ما حدث مع “متى” حدث مع “من”، فقد أخضعها المصريون للكلمة القبطية “نيم” بمد الياء، لتصبح مين بعد دمج الاثنين.

هل تعلم أن “بقى” محرفة من القبطية أيضًا؟            

واللغة القبطية كانت تحتاج إلى وجود فعل الكينونة، وهو الذي قد يساوي “يكون” في العربية، فبدلًا من قولنا محمد طبيب بالعربية فإن القبطية تقولها محمد يكون طبيب، لن ينتهي الحديث عن فعل الكينونة.

فعل الكينونة ذلك مهمته أن يجعل الجملة في زمن الاستمرار، وفي اللغة المصرية القديمة كان يُضاف “بي إي” إلى الجملة كفعل الكينونة لتكون تامة، ومع تطورها إلى اللغة القبطية أصبحت “بي أي”، تلك التي حرفها المصريون أيضا لتصبح بقى أو بأى بحسب ما ينطقها القاهريون، بقى دا كلام؟

العامية المصرية.. لهجة أم لغة؟

إن نظام النحو المصري ما زال محافظًا على حضوره بقوة في العامية لمصرية الحالية، والغريب أن هناك من الباحثين من حاول أن يثبت أن المصرية القديمة وثيقة الصلة بالعربية، بل ربما انحدرت من نفس المنبع.

وهناك أيضًا من قدم دلائل جازمة تثبت أننا نتحدث لغة مولدة جديدة، هضمت العربية والمصرية القديمة، واحتفظت برونقها وشخصيتها، وهي ما نتحدثها.

وعلى جانب، قد يبدو مواز، فإن هناك اهتمام قديم بالعامية المصرية بشكل خاص، من قبل الباحثين، على تنوعهم واختلاف ثقافاتهم.

وفي العام 1880 ألف المستشرق الألماني الدكتور ولهلم سبيتا أول كتاب بالألمانية عن العامية المصرية أسماه  “قواعد العربية العامية في مصر”، وهو أول محاولة لدراسة العامية المصرية واستنباط قواعدها، مقترحًا استخدامها كلغة أدبية.

لكن كيف نصنف العامية المصرية، ألهجة هي أم لغة؟

بحسب الأستاذ الدكتور عبدالغفار حامد هلال، عميد كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر، في كتابه “اللهجات العربية” فإن اللهجة إذا اتسمت بخصائص بارزة وتوافر لها ما يجعلها تستغني عن أصلها وتنضج قواعدها ونظمها الصوتية والتركيبية أمكن أن نسميها لغة، لكن كيف وصلنا إلى العامية المصرية

رحلتنا إلى العامية المصرية

المعبود تحوت
المعبود تحوت

اعتقد قدماء المصريين أن لغتهم من مصدر إلهي، وتصورا أنه من المحال أن يكون هذا اختراع بشر، واعتقدوا أن المعبود “تحوت” هو الذي اخترع لهم الحساب والطب والحكمة وكل العلوم والفنون، وهو الذي وضع الكلمات الهيروغليفية.

وفي بدء دخول العرب مصر، عانت اللغة العربية وظلت بطيئة الانتشار، وحتى عام 750 ميلادية كانت الدواوين تكتب بالقبطية، ويذكر المقريزي أنه حتى عام 835 كان المأمون لا يتنقل في ريف مصر إلا ومعه مترجم، وهو ما يتفق معه ابن عبد الحكم أيضا.

أحمد رشدي صالح، الباحث في الفلكلور، في كتابه الأدب الشعبي، يقول بعد الفتح الإسلامي اصطدمت العربية بالقبطية، لتتراجع العربية في بادئ الأمر ويقتصر التعامل بها على المعسكرات وعلى المناطق التي اختارتها القبائل العربية لتستقر فيها.

والظاهر أن تراجع العربية اضطر العرب الوافدين إلى  تقريب لغتهم  بلغة الأهالي،ـ مستخدمين عبارات جديدة على العربية، نابعة من مصر، ومتغاضين عن قواعد النحو، هذا ما يشير إليه صالح أيضًا.

العصر الفاطمي وبداية الانطلاق

ويبدو أن القرن الرابع الهجري هو البداية المنطقية لاختلاط القبطية بالعربية، لتنتج لغة بين القبطية والعربية، وصفها المقدسي بأنها ركيكة ورخوة.

ومع استقرار الخلافة الفاطمية في مصر انطلقت اللغة المصرية وتنوعت فنونها الفصيحة معتمدة على تراث شعبي احتوته اللغة المصرية وطورته، فظهرت فنون السير والقصص  وفنون الموال والزجل والأغاني والعدّيد، متعدية بذلك حدودها إلى أهالي البلدان المحيطة.

على جانب آخر ظلت القبطية باقية في حديث الناس حتى عام  997 ميلادية، إلى أن أمر الحاكم  بأمر الله، فأبطل الكلام بها نهائيا، فكان المصريون يتجنبون الحديث بالقبطية أمام الحاكم وعسكره حتى لا يتعرضون لأذاهم، لتبدأ اللغة الجديدة في الانتشار.

أما في القرى والصعيد فقد ظلت القبطية موجودة، ومن هنا حملت اللغة المولودة بالإضافة إلى تراكيبها النحوية والصرفية والصوتية عددًا لا حصر له من الكلمات، منها ما ينتمي إلى الخط المصري الأول الهيروغليفي.

بالإضافة إلى ذلك فإنه في مرحلة من مراحل اللغة المولدة كان يقال الكلمة المصرية والعربية في آن مثل: خلاص بح- كل مم- امشي تاتا…، فضلا عن أسماء القرى والمدن والعواصم، من هنا يمكن أن نقول إننا نتحدث لغة لا لهجة، وثيقة الصلة بمصر القديمة.

اقرأ أيضًا:

كيف وصلت إلينا “اللهجة الصعيدية” من رحم “المصرية القديمة”؟


اعتمد هذا الموضوع على المصادر والمراجع الآتية:

  • عصام ستاتي، اللغة المصرية الحالية، الهيئة العامة لقصور الثقافة 2016
  • سامح مقار، أصل الألفاظ العامية، الهيئة العامة للكتاب، ط 1، 2004
  • عبدالحليم نورالدين، اللغة المصرية القديمة، ط9، 2011، نسخة PDF
  • عبدالفغار حامد هلال، اللهجات العربية ص35 وما بعدها ط2، 1993
  • نفوسة سعيد، تاريخ الدعوة إلى العامية 1964، دار نشر الثقافة بالإسكندرية
  • أحمد رشدي صالح، الأدب الشعبي، دار النهضة، ط2، 1971
  • علي فهمي خشيم، القبطية العربية دراسة مقارنة بين لغتين، مركز الحضارة العربية 2003
  • التسامح في كلمات، مطبوعة أصدرتها اليونسكو عام 1997، أعيد طباعتها 2014، نسخة PDF
  • مصدر الصور: CAIRO 969-1969، مجلد نشرته وزارة الثقافة المصرية 1969، باللغة الإسبانية، بمناسبة مرور  ألف عام على بناء القاهرة.
الوسوم